الخدمات العامة: معايير التخطيط ونطاق التأثير على البيئة العمرانية

 

تعتبر الخدمات العامة إحدى الدلائل العمرانية على تطور المدن والأحياء السكنية. كونها تعكس أداء الإدارات المعنية بتنظيم وإدارة المدن إلى جانب الخدمات الأخرى، كالبنية التحتية، والإسكان وغيرها. إلا أن مقياس (الخدمات العامة) لا يرتبط فقط بالوجود أو الغياب. بل هناك عدة عوامل أخرى كمستوى الخدمات المقدمة، وقدرة التشغيل والتوازن ضمن نطاق البيئة العمرانية للمدينة أو حتى الحي السكني. وهو ما سيكون محور موضوعنا لهذا العدد.

نظرة عامة :

يعود تاريخ (الخدمات العامة) إلى نهاية القرن الثامن عشر ميلادي. عندما بدأت المدن بتأمين الاحتياجات الأساسية لسكانها. وعلى الرغم من أن البداية كانت متواضعة ومتفرعة عن البنية التحتية. إلا أنه ومع تطور ونمو المدينة بدأ يظهر هذا الفرع الخدمي، كجزء مستقل يساهم في رفع معدلات التشغيل للمدن. الأمر الذي دفع بالمخططين والمختصين إلى وضع معدلات ومعايير خاصة لهذه الخدمات ودراسة نطاق تأثيرها بناءً على عدد السكان للأحياء السكنية. ولذلك نجد أن معظم الأمانات والبلديات للمدن تعتمد على معايير خاصة بها في توفير هذه الخدمات التي غالباً ما تقع على كاهلها. كالمساجد والحدائق العامة ومراكز البلديات والأحياء وغيرها. أو بالمشاركة مع الجهات المعنية كوزارة التعليم، الداخلية، البريد وغيرها. فالمهم في هذه الناحية هو توفير القاعدة الأساسية الخدمية للحي والسكان على حدٍ سواء. أنواع الخدمات العامة : كما أشرنا سابقاً، هناك عدد من التصنيفات للخدمات بشكل عام، قد تختلف من مدينة إلى أخرى ومن إدارة إلى أخرى. ومع ذلك يمكن تصنيف بعض هذه الخدمات العامة ضمن قوالب أساسية تُعد متطلبات لأي حي سكني في أي مدينة. هذه القوالب على النحو التالي: أولاً: الخدمات التعليمية: وتشمل هذه الخدمات رياض الأطفال، المدارس الابتدائية، المتوسطة والثانوية للبنين والبنات. وتختلف معايير ومعدلات هذه الخدمات وفق عدد السكان ونمو الأحياء السكنية. فمثلاً وبحسب دليل الخدمات الصادر عن وزارة الشئون البلدية والقروية (2005) تخدم رياض الأطفال الفئة العمرية من (4 – 6) سنوات. وتحتاج كل رياض أطفال إلى عدد سكان يترأوح ما بين (1500 – 2000) نسمه لعدد إجمالي من الأطفال (90 – 180) طفل ومساحة (8م2) لكل طفل من المبنى. هذه المعدلات تختلف مثلاً بالنسبة للمدرسة الابتدائية، فعدد السكان لابد أن يكون (2000 – 6000) لكل مدرسة ابتدائية. بحيث تخدم (480 – 940) طالب وبمساحة (22م2) لكل طالب من الجنسين. ويختلف ذلك أيضاً بالنسبة للمتوسطة والثانوية. مع ما هنالك من متطلبات أخرى مهمة ولازمة، فيما يتعلق بالوصولية، السلامة، التلوث وغيرها والتي تساهم في تحسين جودة بيئة التعليم.

ثانياً: الخدمات الصحية :

ويقصد بها مراكز الرعاية الأولية، المستشفيات العامة والخاصة. وتُعد الخدمات الصحية من أكثر أنواع الخدمات العامة احتياجاً وجدلاً. كون التعليم والصحة تُعدان خدمتان أساسيتان لكل مجتمع، وترى منظمة الأمم المتحدة أنها حق واجب للفقراء من المجتمعات بشكل مجاني وبمستوى متقدم جداً. فمثلاً تخدم مراكز الرعاية الأولية عدد سكان من (4000 – 15000) نسمة وبنطاق يصل إلى (800م) على المحيط. بينما يصل عدد السكان المخدومين لإنشاء مستشفى عام (20 – 25) ألف وبنطاق خدمة يصل إلى (20) كيلو.  

 

ثالثاً: الخدمات الدينية :

وتتمثل لدينا في المساجد والجوامع ومصلى العيد بشكل أساسي. وقد يضاف إليها المراكز الخيرية أو مراكز تحفيظ القرآن. حيث يخدم المسجد (وهو الذي لا تقام فيه صلاة الجمعة) عدد سكان من (750 – 1500) نسمه وبنطاق يصل إلى (200م2)، أما الجامع فهو يخدم عدد سكان (3000 – 7500) نسمة وبنطاق خدمة يصل إلى (800م2). وتتطلب هذه الخدمات توفير دورات المياه وأماكن الوضوء.

رابعاً: خدمات عامة أخرى :

وهي بقية الخدمات الأخرى. كالخدمات الثقافية والتي تشمل المكتبات الفرعية والمركزية. وخدمات البريد والخدمات الأمنية كمراكز الشرطة أو مراكز الدفاع المدني, والتي تختلف في أنواعها ومتطلباتها بحسب عدد السكان للمنطقة المخدومة.

 

إشكاليات الخدمات العامة :

تواجه الدول وإدارتها المحلية عدد من الإشكاليات تجاه هذه الخدمات العامة. سواء من خلال تحسين الأداء أو حتى من خلال توفيرها ضمن البيئة العمرانية والحقيقة. إن هذه الإشكاليات تختلف من بلد لآخر بحسب القدرة الاقتصادية والوعي الاجتماعي بهذه الخدمات ودورها في الحياة المدنية. وقد تختلف أيضاً بين المدن في الدولة نفسها، فنجد مدينة ذات مستوى خدمات يفوق مدينة أخرى قد تتشابه معها من حيث عدد السكان والمساحة أو حتى الأهمية. كما هو الحاصل مثلاً في المدن الرئيسية في السعودية. أو كما هو الحال في الإمارات بين المدن كدبي وأبوظبي وعجمان. والفارق بين هذه على مستوى الخدمات العامة. ويمكن تنأول بعض هذه الإشكاليات العامة والتي يمكن أن تكون متقاسمة بين معظم الحالات. وذلك على النحو التالي: أولاً: غياب التوازن في التوزيع: وقد يكون على مستوى الدولة بين مدينة وأخرى أو على مستوى المدينة بين حي وآخر. فتجد أحياء منطقة معينة أفضل من حيث توفر الخدمات العامة بالمقارنة مع حي في منطقة أخرى. وعلى الرغم من أن البعض يرى أن هذا دور الإدارات الفرعية. إلا أنه عادة ما يرتبط بخطة ورؤية الإدارة المعنية عن تطوير وإدارة المدينة نفسها. ثانياً: زيادة الخدمات عن المعايير: وكما هو الحاصل في المحلات التجارية مثلاً والتي تكثر في الحي السكني بمعدل أكثر من احتياج السكان وعددهم. أو قرب المساجد من بعضها مما يفرق المصلين أو بُعد مراكز الوحدات الصحية. فالزيادة لا تعني الجودة، ولكن التوزيع الملائم للعدد هو المطلوب. والسبب في ذلك هو الحفاظ على المال العام. وتوزيعه لمناطق قد تحتاج إلى هذه الخدمات بشكل أكبر. وهذه الثقافة قد تكون غير موجودة في كثير من القرارات تجاه إدارة وتشغيل وتوزيع الخدمات العامة في بعض المدن العربية.

تكلفة التشغيل:

وعادةً ما تتلخص هذه الإشكالية في العبء الذي يقع على عاتق الدول لتحقيق وتوفير خدمات عامة للمواطنين ضمن الإطار الخدمي والعمراني. خصوصاً في ظل زيادة أعداد السكان أو الهجرات الداخلية وغيرها التي تثقل كاهل الميزانيات الاقتصادية. لذلك تتجه بعض الدول نحو إشراك القطاع الخاص في تشغيل هذه الخدمات وبتكاليف رمزية على المواطنين. قد تكون مدعومة لفئات معينة كالفقراء أو أصحاب الدخل المحدود. هذه العملية تعرف بـ (الخصخصة) والتي قد تمتد لعدد من الخدمات والقطاعات الخدمية في المدينة أو الدولة بشكل عام. والتي سنحأول تغطيتها ضمن أعدادنا القادمة بإذن الله.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد السادس لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي