إندثار المولات في المدن

 

هناك ظاهرة بدأت تتزايد في المدن الأمريكية على وجه الخصوص وهي ظاهرة اندثار المولات المغلقة مما جعل كثير من المتابعين يطلق على هذه الفترة بالـ" The Death of Malls Era". هذه الظاهرة لم تشمل الكيانات الصغيرة بل الحمل الأكبر كان على كاهل الشركات الكبرى. فعلى سبيل المثال, شركة Sears الشهيرة ستغلق ما يقارب 300 محل تابع لها في غضون السنتين القادمة وهو ما يمثل 50% من حصتها في السوق. أيضاً شركة ( JC Penney ) المشهورة ستقوم بإغلاق 320 محل في غضون الخمس سنوات القادمة وهو ما يمثل ثلث حصتها الكلية. ولا ننسى عملاق القهوة (Starbucks) الذي أوضح في تقارير مالية تابعة له ان فروعه داخل المولات المغلقة تواجه نقص شديد في الدخل غير متوقع.

هذا السيناريو الذي يحدث حالياً في المدن الأمريكية جعل أصحاب المولات في المدن السعودية يترقبون بنوع من القلق مستقبل تجارتهم على المدى القريب بالذات مع تزايد تجارة الانترنت محلياً. ولكن دعونا قبل أن نخوض في تحليل هذه الظاهرة محلياً, يجب علينا أن نعي أن ما يحدث في مكان آخر لا يعني بالضرورة حدوثه لدينا. انتقال الظاهرة لدينا يعني أن مدننا والمدن الأمريكية متشابهة بشكل كبير في بيئتها وبنيتها واقتصادها ودخلها وهو أمر غير صحيح بتاتاً، وبما أن المدخلات ليست واحدة فالنتيجة بطبيعة الحال ستكون ليست واحدة كذلك. و كاستشهاد لما سبق, فكرة الـ ( Public Housing Projects ) في المدن الأمريكية فشلت فشل ذريع بينما نجحت بشكل غير مسبوق في مدننا السعودية وهي تقف اليوم شاهدة على اختلاف المدن ومقوماتها. ولذلك علينا ان نعي ان اندثار المولات في أمريكا سبقه عملية معقدة بدأت عام 1940م ومهدت الطريق لتجارة الانترنت وهي صياغة ما يسمى بـ (Zone Improvement Plan) أو ما يطلق عليه اليوم ( ZIP CODE). هذا الكود هو عبارة عن خمسة أرقام تخصص لكل منطقة سكنية وتجده مميز لكل مدينة او ولاية ومنه - وبعد تعديل على مدى ثلاثين سنة - انبثق كود مخصص لكل " وحدة سكنية". هذا الكود خاص بوحدتك سواء كانت تجارية أو سكنية أو حكومية ولن يتكرر في أي منطقة امريكية اخرى, وبناء عليه ستستقبل البريد وايضا يتم التواصل فيه مع الحكومات المحلية والمحلات التجارية المجاورة بالإضافة إلى فواتيرك الشهرية و معاملاتك البنكية. هذه البنية التحتية المعقدة التي نجحت بعد فترة زمنية مطولة جعلتك قريباً جداً من اي محل تجاري الكتروني رغم انك خلف شاشة الحاسوب. بالمقابل هذا "الكود المكاني" في المدن السعودية ضعيف للغاية ولم ينجح بشكل فاعل, ويقتصر فقط على إعطاء المباني أرقام دون الاكتراث بما داخل المبنى من وحدات وأصبح استخدامه ذو صبغة رسمية فقط للجهات الحكومية ولم يتم تحديثه منذ أكثر من 40 عام. وبالتالي شراء مادة من الانترنت محلياً عملية فيها نوع من المخاطر بسبب عدم وجود تعريف مكاني دقيق للوحدات السكنية والتي منها تأتي أغلب طلبات الشراء. أضف إلى اسباباً كثيرة يطول ذكرها مثل وقوع المولات الأمريكية في الضواحي بينما لدينا في وسط المدن وداخل النطاق العمراني وهو عامل في صالح المدن السعودية بكل تأكيد. ناهيك عن أسباب اجتماعية واسلوب الحياة المختلف هنا وهناك والذي يطول الحديث عنه ويحتاج إلى تفصيل معمق, وكخاتمة لهذا المقال وحسب رأيي الشخصي ووفقاً للمعطيات الحالية, يتضح لي ان المولات لن تتأثر بما يحدث في الحالة الأمريكية وستبقى هي الملاذ الأول للعائلة السعودية على الأقل خلال العشر سنوات القادمة إلا إذا تم تحديث "كود مكاني" معقد فربما تتغير المعادلة.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي