تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

حل مشكلة الإسكان

 

قضية الإسكان ليست مشكلة خاصة بنا، بل هي معضلة عالمية تعاني منها أغلب دول العالم. ومع ذلك حل هذه المشكلة ليس بالمعجزة، فهناك دولٌ كثيرةٌ استطاعت بنجاح التغلب عليها. والقارئ لتجارب المدن العالمية، يجد أن الحل الأساسي للإسكان هو بجعلها (أولوية) وهو حل يتطلب منا غربلة لأغلب التشريعات العمرانية. ولكن قبل أن أخوض في تفاصيل الحديث عن جعل الإسكان أولوية، أريد أن أشير إلى أن المسار الحالي الذي اخترناه لحل الإسكان هو مسار غير ناجح، والبرهان تجارب العالم الأخرى. فالمسار الذي يعتمد على الدولة في بناء الوحدات السكنية وتوزيعها، يحول المشكلة إلى قضية (أرقام) فيتم تبسيط الموضوع إلى متغيرين: كم سنحتاج اليوم؟ وكم سنبني على فترة من الزمن؟

تبسيط الموضوع في متغيرين اثنين فقط، يعقد مشكلة الإسكان لأنها مشكلة تحتاج إلى دراسات من عدة أوجه، فتوقيع مشاريع الإسكان جغرافياً أمر يساوي في الأهمية توفيرها، وجودة هذه المشاريع وكيف ستربط بمشاريع النقل الجديدة (كالمترو) وأماكن الوظائف للسكان، أمر لا يقل أهمية عن سابقه. ناهيك عن قضايا ما بعد بناء مشاريع الإسكان، والتي ستطرأ بشكل متتالي بعد فترة من الزمن. هذا النوع من التحديات، عادةً لا تلتفت له الدولة، وذلك بسبب الضغط الشديد الملقى على كاهلها، ولأنه سيتم تقييم أدائها فقط على معيار (الكم)، ولذلك فهي تنشغل بالإطار الكمي، دون الاهتمام بمعايير أخرى ربما تكون أكثر أهمية في الواقع. وكنتيجة لهذا الضغط عادةً ما تصاب المدن بحالة من الهلع، فيقوم متخذي القرارات باتباع منهجية (one-size fits all) فيتم تصميم صناديق سكنية متشابهة لجميع فئات السكان المختلفة، دون النظر لمتطلبات كل شريحة عن الأخرى. وبسبب بطء هذه العملية فإن النتيجة ستكون أرقاماً هائلةً للمستفيدين تنتظر الدعم. ولذلك يجب على متخذي القرارات لدينا، أن يعوا جيداً بأن المسار الحالي، مهما اجتهدوا فيه، سيظل بعيداً عن متطلبات المرحلة الحالية المتراكمة منذ سنين. ما الحل إذن؟ الحل من وجهة نظري الشخصية، هو التحول من جعل الدولة هي المسؤولة عن توفير الوحدات السكنية، إلى جعل الإسكان (أولوية) في قاموس ثلاثة أقطاب: الجهات الحكومية، المطورين، والسكان وذلك عن طريق "التشريعات العمرانية". فيتم تحويل وإعادة قراءة وكتابة أغلب التشريعات واللوائح العمرانية لتصب في مصلحة الإسكان وهو ما يسمى علميا بـ “issue-oriented planning”. هناك دولٌ عديدةٌ سبقتنا في تبني هذا المسار ولعل أهمها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا التي استطاعت بنجاح استغلال أداة "التشريعات" للتخفيف من حدة مشاكلها. فعلى سبيل المثال، في بعض المدن الأمريكية تم مراجعة تصاريح المشاريع الكبرى وإضافة لها شرط تخصيص ١٠٪‏ من الميزانية لإسكان ذوي الدخل المحدود. كما أن في بعض الفترات اشترطت الحكومة الفيدرالية تخصيص ٧٪‏ من المشاريع السكنية المبنية عن طريق المطورين أن تباع بسعر أقل من سعر السوق وفي متناول فئات تحددها الحكومات المحلية. بالإضافة إلى دعم سوق الإيجار عن طريق تشريعات عمرانية تحفيزية للمطورين الذين يقومون ببناء وحدات سكنية للإيجار المنخفض التكاليف. هذا المسار يوزع مسؤولية توفير الوحدات السكنية إلى أطراف عدة ويجعل المدن تحدث تشريعاتها لتصب في مصلحة قضية واحدة مهمة مثل الإسكان ويعطي الوقت لكثير من الجهات الحكومية للتفكير في جودة المشاريع والعمل للإشراف على مشاريع المطورين. هذا المسار منهجياً ناجح لدرجة أن أمريكا بعد تبنيه عام ١٩٢٧م بنت أكثر من ٨١٠،٠٠٠ وحدة سكنية فقط في عام واحد. ولعل تطبيقه محلياً أصبح ضرورة ملحة فالوقت يمضي سريعاً وإن لم يطبَق اليوم، سنجبر على تطبيقه غداً.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر