تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

مراكز المدن: بين سياسات التطوير والمعوقات

 

تواجه مراكز المدن العربية اليوم عدد من المخاطر والمعوقات التي تحول بينها وبين تطوير هذه المراكز والاستفادة منها. فعلى الرغم من الوعي تجاه هذه المراكز لدى المختصين والمسئولين، ومحاولات التطوير التي تم تنفيذها في عدد من المدن، إلا أن النتائج لم تكن على قدر التوقعات. في هذا العدد سنحاول أن نستعرض أبرز هذه السياسات التطويرية ونحاول أن نقرأ المعوقات التي تحول دون الإستفادة منها بالشكل الصحيح .

 

إشكالية التصنيف:

على الرغم من أن مراكز المدن العربية يمكن تصنيفها على أنها مناطق (تاريخية)، إلا أنه ونتيجة لممارسة الإهمال لهذه المراكز خلال السنوات الماضية، لم تعد هذه المناطق تاريخية بشكل تام أو كلي. فعملية التداخل بين ما هو تاريخي وغير تاريخي يُعد سمة لمراكز المدن العربية اليوم. هذه الإشكالية جعلت من تحديد المركز التاريخي أمر صعب ويتطلب سياسات تطويرية مرنة، تتجاوز الحفاظ على التراث المعماري، الأمر الذي يفرض عدد من التداخلات بين عدة محاور اقتصادية، اجتماعية، بيئية وثقافية. والسبب في ذلك يكمن في أن المكانة أو القيمة التاريخية المكتسبة لمراكز المدن تتم عن طريق وجود (المبنى التاريخي) كعنصر أساسي، وفي حال عدم وجوده تفقد المنطقة قيمتها التاريخية. ولهذا السبب انتشرت سياسة (الحفاظ) بشكل أكبر من السياسات الأخرى، كونها تُعد السياسة الأمثل في تحقيق عدد من الأهداف المختلفة على عدة مستويات، اقتصادية، بيئية، اجتماعية وثقافية. يعلق المهندس أيمن الشيخ على هذه الجزئية (ما يقلق فعليا في مشروعات المدن التاريخية أنها تبنى على آراء وليس دراسات، وهذا ما يبدد أي فرصة للإستفادة الحقيقية من موارد وإمكانيات المباني والمناطق التاريخية فالمشروعات لا تتبنى حلولا وسط فغالبا إما الإزالة والبناء من جديد أو المحافظة كالتحنيط.لا نستطيع تحديدالخيارات الأفضل فعليا دون دراسة مراكز المدن التاريخية بشكل مستقل ومحايد).

 

أهمية تطوير مراكز المدن:

تتعدد الأسباب حول أهمية تطوير مراكز المدن. هذه الأسباب قد تكون (أحادية الهدف)، كالأسباب الاقتصادية وتوفير فرص استثمارية عمرانية داخل نطاق المدينة أو أسباب عمرانية، كإعادة استخدام الأراضي لهذه المراكز ودمجها عمرانياً مع المدينة. وقد تكون (متعددة الأهداف) كما هو الحال في (الحفاظ) مثلاً، والذي يغطي عدد من المحاور بنسب مختلفة وأهداف متفاوتة. في عام (1981م) حددت منظمة (المجلس الدولي للآثار والمواقع (ICOMOS)) عدد من القيم للحفاظ على مراكز المدن التاريخية واستمرارها، والذي عُرف بميثاق (بورا)، كالقيمة الجمالية، الروحية، الاجتماعية، التاريخية، الرمزية والأصالة. والتي تستوجب معها الحفاظ للاستمرار الاجتماعي، الاقتصادي والعمراني لهذه المراكز التاريخية. حيث يرى المهندس صالح السيف (تشير أغلب دراسات الجدوى الاقتصادية لمشاريع تطوير مراكز المدن التي قامت بها خبرات عالمية، إلى أن هناك عوائد اقتصادية كبيرة متوقع تحققها، كتحسين الوصول إلى المنطقة،تخفيض نسبة الجريمة، تحسين مستوى المعيشة والمستوى الصحي، تعزيز التماسك الاجتماعي وتحسين بيئة العيش والاستدامة فيها. إضافة إلى أن إعادة تطوير المنطقة سيؤدي الى عوائد اقتصادية تفوق كثيراً تكاليفه المتوقعة، ما يجعله مشروعاً عالي الجدوى الاقتصادية).

 

سياسات تطوير مراكز المدن:

في ورقة علمية بعنوان (التغير في مراكز المدن التاريخية)، لـ (سلام جواد)،حدد فيها عدد من سياسات التدخل الحضري لمراكز المدن (التاريخية). هذه السياسات جاءت على النحو التالي:

أولاً: سياسة التجديد الحضري:

هذه السياسة شملت ثلاث مستويات مختلفة. (1) سياسة إعادة التطوير، والتي تقوم على الإزالة للمباني المهترئة وإعادة تنظيم المنطقة بشكل كامل. (2) إعادة التأهيل، والتي تشمل ترميم وإصلاح المناطق القديمة والحفاظ على نسيجها العمراني والمعماري بما يتواكب مع متطلبات العصر الحالي. (3) الحفاظ على التراث بشكله القديم دون إحداث أي تغيير  لا على مستوى العمران أو حتى الاستخدام.

 

ثانياً: سياسة الإضافة الحضرية:

وهي اعتماد تحديد المواقع وإضافة مباني جديدة، تساهم في تعزيز وتشغيل مراكز المدينة التاريخية، كما هو الحاصل مثلاً في مدينة الرياض، كإضافة المركز التاريخي أو الأسواق، والتي عادةً ما تتخذ في إطارها التصميمي توظيف المعايير التاريخية للمنطقة.

وعادةً ما تتطلب هذه الإضافات وجود بنية تحتية جيدة وشبكة مواصلات ذات كفاءة عالية، حيث غالباً ما تواجه هذه السياسة معوقات عديدة أثناء التشغيل، تؤدي إلى عدم تحقيق الهدف المرجو وضمور هذه الإضافات مع الوقت.

 

ثالثاً: الجمع بين الحفاظ والتطوير:

وهي سياسة تجمع بين السياستين السابقتين، وتُعد الأكثر رواجاً، حيث يتم الحفاظ على أجزاء معينة من المراكز التاريخية فقط ذات الأهمية، ومن ثَمَّ تطوير وإضافة المباني والمشاريع التطويرية في المناطق الأخرى بحسب ما تقتضيه خطة التطوير، وبشكل أقل من الإضافة الحضرية (كتدخل)، وأكبر من التجديد من حيث أهمية الحفاظ أو إعادة ترميم المباني. وتُعد هذه السياسة هي الأكثر استخداماً بين الدول العربية خلال السنوات الماضية. وكونها تتصف بالمرحلية وذات تكلفة أقل، إضافةً إلى أنها لا تتدخل بشكل كبير أو لمستوى يتوجب معه نقل أو تهجير السكان.

 

معوقات تطوير المراكز (نظرة عامة):

يرى المهندس الشيخ أن أحد أهم المعوقاتفي عدم تطوير المراكز التاريخية هو (عدم الإستيعاب الصحيح لمفردة تطوير بحد ذاتها وهذا تحدي جديد يضاف لمطوري المدن في إعادة تحديد الأطر المعرفية عن مراكز المدن وما يجب تطويره والمحافظة عليه وما ينبغي إزالته كليا أو جزئيا، أن مفردة تطوير وبحسب ما يتكرر من مشروعات صنعت قالبا واحدا من المشروعات وهذا خطأ.فبعض مراكز المدن التاريخية لا تحتاج سوى تدارك للإهمال والبعض الأخر منها يحتاج إلى التدخل العميق،هناك عدة عوامل تحدد مستوى التدخل) وبشكل عام، يمكن أيضاً تحديد بعض المعوقات التي تحول بين تطوير المراكز التاريخية بالشكل الأمثل،من هذه المعوقات (الملكية) على سبيل المثال، حيث تعود ملكية هذه المواقع أو المباني في المراكز التاريخية إلى عائلات، بعضها يقيم في هذه المباني، والكثير منها يستغلها لأغراض تجارية. هذه (الملكية)، وفي ظل عدم القدرة على تكاليف الترميم أو الحفاظ، وفي ظل غياب برامج التمويل أو الاستثمار، تشكل عائق كبير في الحفاظ على هذه المباني وبالتالي المنطقة أو المركز ككل.هناك أيضاً التدخلات عن طريق الجهات المعنية، كالوزارات أو جهات الحفاظ على التراث، والتي عادةً ما تقوم بتنفيذ أعمال الحفاظ بشكل مقتصر على الأيقونات الوطنية فقط، كالقصور أو المباني الحكومية القديمة، والتي لها أثر أو دور واضح في التاريخ الوطني.

 

هذا التدخل المباشر والوحيد يجعل من عملية التطوير للمنطقة ذات معايير مكلفة أحياناً أو ليست على قدر كبير من العائد الاستثماري، الذي يحفز المستثمرين أو الملاك لأعمال الترميم.من المعوقات أيضاً، غياب (القيمة الثقافية) لدى المجتمع تجاه هذه المناطق، ليس من حيث الأهمية ولكن من حيث الاستخدام. وهو ما ينعكس على مفهوم إعادة الاستخدام للمباني وفق معايير جديدة، كأن يمكن قبول تناول وجبة أو زيارة مبنى قديم كمقهى أو حتى قضاء يوم أو يومين كنزيل في فندق قديم. إلا أنه قد يصعب اجتماعياً قبول السكن الدائم في تلك المناطق أو المباني في ظل توفر خيارات أفضل في ضواحي المدن. وكذلك هو الحال بالنسبة للأعمال الغير مرتبطة بهوية المكان. ويحدد المهندس السيف عدد من المحاور الأساسية لتطوير المراكز التاريخية تتمثل في التالي (خلق مستقبل جديد لمركز المدينة من خلال تشجيع السكان الاصليين للعودة إليها، مع عناية خاصة بحاجة الجيل الجديد (2) المحافظة على الذاكرة التاريخية لمركز المدينة من خلال المحافظة على المباني التاريخية وإعادة الحياة للمباني والساحات التاريخية (3) تصحيح الوضع الحالي من خلال تجديد البنية الحضرية والبنية التحتية، ومعالجة المشاكل الأمنية وعدم الانضباط الاجتماعي الذي تعاني منه مراكز المدن (4) خلق بيئة إنسانية من خلال إعادة الحياة الاجتماعية والاحساس المجتمعي لسكان المنطقة، ومن خلال بناء شبكة نقل عام تساعد على ذلك (5) إعادة التوازن للمدينة من خلال ضمان حصول مركز المدينة التاريخي على حصته من الاستثمارات في المدينة، ومن خلال تنويع الأنشطة الاقتصادية (6) استعادة الأهمية الإدارية لمركز المدينة من خلال إعادة دورها التاريخي كمقر للحكومة أو المؤسسات والقطاع الخاص) لا شك أن مراكز المدن تُعد ثروة للمدن العربية يمكن إعادة استغلالها بشكل إيجابي يعود بالنفع على المدينة وسكانها. إلا أن كيفية التعامل مع المراكز، وخصوصاً في الدول العربية، تتطلب في رأينا أمرين أساسيين ومرتبطين: الأول هو وجود خطة واضحة تجاه هذه المراكز وكيفية تطويرها ضمن البُعد الحالي والمستقبلي في إطار المدينة ككل، هذه الخطة قد تشتمل على عدة سياسات بشكل مختلف ومرن ولا يقتصر على سياسة وحيدة. الأمر الثاني هو (الشفافية) نحو أهداف التطوير وتحديد محاوره الاستثمارية، الاجتماعية والبيئية، بهدف إيجاد (قوالب) يمكن من خلالها إشراك العديد من الأطراف، كالقطاع الخاص والملاك، نحو المشاركة في تحسين هذه المراكز. هذه الشفافية تبدأ بالإجراءات والقوانين والتشريعات وحماية الملاك والمستثمرين على المدى الطويل، وتنتهي بنظام واضح وشفاف يمكن من خلاله ضمان المشاركة. وهذا ما اتجهت إليه بعض المدن خلال السنوات الماضية ونجحت من خلاله في تحقيق أهداف كبرى في تطوير مراكزها.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد الرابع لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر