تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

نظرية (النوافذة المحطمة)

 

في الخمسينات والستينات الميلادية كانت مدينة نيويورك تعج بكم هائل من الجرائم، حيث ارتفعت بها نسبة الجرائم بمعدل أربع أضعاف. وكان من البديهي أن تقوم المدينة باستدعاء رجال الشرطة للتواجد على الأرض، في كل حي وفي كل حارة، للسيطرة على هذه الأرقام المتزايدة. إلا أن هذه الخطوة باءت بالفشل, فحتى مع وجود رجال الشرطة في الميدان، كانت الأرقام لا تزال تتزايد. وقعت إدارة المدينة في حرج، فهي لم تجد طريقة مُثْلى للحد من معدل الجريمة. في هذا الوقت الصعب, كان هناك شخصان يتابعان الوضع وهما الدكتور (جيمس ويلسون) والدكتور (جورج كيلنج). الرجلان كتبا مقالاً أكاديمياً شهيراً تحول إلى نظرية فيما بعد بعنوان (النوافذ المحطمة) أو (Broken Windows). ملخص النظرية تقول: (لا حاجة للمزيد من رجال الشرطة للقضاء على الجريمة، لأنها منهجية خاطئة. القضاء على الجريمة يبدأ من (البيئة المبنية)).

عندما تكون هناك نوافذ محطمة ولم يتم إصلاحها, فعادةً هي إشارة بعدم التزام النظام من قبل السكان. لذلك المجرم يتصور أن تحطيم نافذة أخرى سيكون أمراً سهلاً. هذه النافذة المحطمة هي علامة يتوقع منها المجرمين أن هذه البيئة ستكون حاضنة لهم، وبالتالي ستحدث الكثير من الجرائم بسبب هذه العلامات المبنية التي ستبني تباعاً فكرة ومفهوم الخوف لدى السكان. عندما ينتشر الخوف تنتشر الجريمة. هذا مفهومها باختصار.

إدارة المدينة لم تتريث كثيراً فقامت بتطبيق النظرية بشكل عاجل، فحاربت الجريمة بمنع الخلل (Disorder) بدلاً من تطبيق النظام (Order). لأن المشكلة ليست بالخلل نفسه (النافذة المحطمة) بل بالرسالة التي تحملها. العجيب أن هذه النظرية نجحت بشكل مثير وتم تطبيقها ليس فقط بنيويورك، بل بأغلب مدن الولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت المدن في تحديث أنظمتها لمحاربة كل ما يمكن أن يرسل رسائل سلبية للسكان في البيئة المحيطة، كوجود المشردين في الشوارع أو الأبواب والأرصفة المحطمة. وتم توظيف الدكتور (جيمس ويلسون) والدكتور (جورج كيلنج) كمستشارين لمدن مثل نيويورك, بوسطن ولوس انجلوس.

وفي عام 2007م، قام مجمع بحثي في هولندا بدراسة النظرية عن طريق دراسة مكانين. الأول لا يحتوي على أي خلل من الناحية المبنية, والثاني يوجد به العديد من النوافذ المحطمة وكتابات على الجدران. كانت النتيجة أن السرقات لم تحدث في المكان الأول بينما حدثت وبشكل كبير في المكان الثاني وهو ما عزز وجود النظرية.

موضوع البيئة المبنية وكيف تؤثر على سلوك السكان أمر مهم للغاية، وله الكثير من الأدبيات والتطبيقات حول العالم. بل هناك من ربط وجود هذا "الخلل" العمراني بأمور أخرى كالعقار والتعليم كـ(ستيفين بلانك) وهناك من ربط "الجمال" العمراني بالصحة العقلية للسكان ومدى سعادته، حتى أن (جان جيهل) المعماري الشهير قال ذات مرة (إن مهمة المخطط العمراني الرئيسية هي تغذية خلايا السعادة في الدماغ) في إشارة إلى أهمية الاهتمام بمظهر البيئة المبنية.

في خاتمة هذا المقال، علينا أن نعي كيف أن (نافذة محطمة) قد تحدث ارتباكاً في المنظومة العمرانية لمدينة ما، فما بالكم بـ(حديقة حي مهجورة) أو (شوارع ذات مطبات وحفر وردميات) أو حتى (ورش وصناعيات على طرق رئيسية) أو (أرصفة لا تحترم) ما هي الرسالة التي سترسلها البيئة المبنية للسكان وما هو أثرها؟ ربما الإجابة لدى مراكزنا البحثية!

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر