مدن الخليج: مرحلة ما بعد البترول

 

تشهد مدن الخليج الكبرى اليوم مرحلة جديدة تُعيد صياغة المشهد الحضاري لها. هذه المرحلة تُعرف بـ(مرحلة ما بعد البترول)، وهي نقطة التحول الثالثة في تاريخ مدن الخليج بعد التحول نحو الحداثة في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ومرحلة العولمة مع بداية الألفية الجديدة، لكن ما هي معطيات هذه المرحلة التي تمر بها مدن الخليج؟ وما هي الآثار المترتبة على التحول الحاصل من ورائها؟ وهل تغيرت أدوات النمو عن سابق عهدها؟. في هذه التغطية سنستعرض أبرز الملامح لهذه المرحلة ضمن الإطار العمراني.

 

الإتجاهات الحديثة للنمو:

هناك عدد من الإتجاهات الحديثة لتحريك دفة النمو للمدن والدول. هذه الإتجاهات، رغم اختلافها في بعض التفاصيل والاستراتيجيات، تهدف بشكل عام إلى تحقيق أهداف تحاول الحفاظ على البيئة وتقليل الاعتماد على النفط. من هذه الإتجاهات (التنمية المعرفية) (التنمية المستدامة) (التنمية السياحية) (التنمية التكنولوجية) وغيرها. تساهم هذه الإتجاهات وتؤثر في (التركيبة المعمارية) للمدن بشكل كبير، كونها تعتمد على أيقونات معمارية تساهم في تشغيلها على أرض الواقع. ولذلك تتباين نوعية المشاريع بحسب الإتجاه التنموي الذي تتبناه المدينة نفسها. فهناك (المدن الذكية) (المدن المستدامة) (المدن المعرفية) وغيرها من محاولات التنمية في مسار معين.

 

نقطة التحول لما بعد البترول:

تحاول المدن الخليجية اليوم الخروج من القالب التنموي القديم، والذي أفرزته حقبة البترول كمحرك تنموي لها، إلى قالب جديد يعتمد على استراتيجيات مختلفة لا تضع (البترول) ضمن حساباتها. التحول جاء ليواكب التحول العالمي نحو مسارات أخرى تجاه البيئة والطاقة النظيفة والمعرفة. هذا التبني للمفهوم الجديد أعاد تشكيل التركيبة العمرانية لمدن الخليج من خلال وجود مشاريع تنموية مختلفة وجديدة لا يقف تأثيرها على المشهد العمراني أو الحضاري وحسب (كمشاريع الحداثة)، ولكن يتجاوز ذلك إلى المجتمع، الاقتصاد، المعرفة، البيئة والثقافة. وهو ما يعني تغير في تركيبة مدن الخليج على عدة مستويات مختلفة، قد تختلف معها مستقبلاً عن ما عهدناه عنها شكلاً ومضموناً. وسنستعرض بعض هذه النماذج لمدن الخليج وتأثرها.

 

 

المملكة العربية السعودية:

تبنت المملكة عدد من نماذج وسياسات التنمية خلال السنوات الماضية، من خلال إيجاد عدد من مدن المعرفة والمدن الاقتصادية كمحركات استثمارية، كمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، مدينة المعرفة بالمدينة المنورة، المدينة الصناعية بجازان ومركز الملك عبدالله المالي بالرياض، وغيرها من المشاريع الاستثمارية في المعرفة والاقتصاد، هذا التنوع في التوجه التنموي الحديث يعود إلى إتساع مساحة المملكة وعدد سكانها، مقارنةً بدول الخليج الأخرى. ولذلك يُقيِّم الخبراء تجربة المملكة حتى عام (2016م) بأنها متواضعة إلى حدٍ ما، حيث لم تُحقق الأهداف التنموية المتوقعة على المدى القصير. عمرانياً، يمكن القول بأن أسلوب التنمية الحديثة لم يُعيد تشكيل المدينة السعودية التقليدية أو القديمة. وحتى المدن الحديثة كانت خارج الإطار العمراني للمدن الأساسية، كما هو الحال في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية ومدينة جدة، أو المدينة الصناعية بجازان. ولذلك لا نجد تأثير واضح على التركيبة العمرانية للمدينة نفسها أو حتى ما يتعلق ببنيتها التحتية. ولا يخرج الأمر عن مركز الملك عبد الله المالي في الرياض، حيث جاءت كمنطقة أعمال تابعة للمدينة. هذه الإنعزالة، أوجدت تفاوت واضح بين المدينة القديمة والجديدة، سواء من حيث التكوين الحضري والعمراني، أو حتى على مستوى الخدمات والجودة. وهو ما يؤثر سلباً على واقع المدينة القديمة وسكانها، بالمقارنة مع هذا النمو الخارجي. في الرياض مثلاً، يختلف الأمر بشكل كبير، حيث يمكن القول بأنه تغير غير مدروس لخط السماء، نتيجة لتوزع الأبراج العالية بين المناطقة السكنية وعلى عدة محاور مختلفة، الأمر الذي لا يمكن معه قراءة المدينة بصرياً كمشهد واضع، كأنه يكون هناك مركز أعمال أو محور تمتد عليه الأبراج، إذا إستثنيا مركز الملك عبدالله المالي، كتوجه نحو تحديد منطقة الأعمال في المدينة.

اليوم تتجه السعودية، نحو خيارات أخرى جديدة، تعزز رؤية (2030) من خلال الإستثمار وليس (البترول)، وهو ما سيعيد تشكيل المدن، خصوصاً إذا تمكنت رؤوس الأموال من تأسيس أعمالها في المدن السعودية، كمقرات إقليمية أو قطرية على سبيل المثال. هذا التوجه يتطلب مراعاة لعدد من العوامل التي تفتقد لها المدينة السعودية بشكل كبير، سواء من حيث التشريعات أو البنية التحتية والفوقية، والتي يساهم وجودها في تحفيز هذه الإستثمارات من تشييد منشئاتها. وعلى الرغم من الدور التي تقوم به الجهات المعنية لتطوير المدن السعودية، إلا أن المشوار لا يزال في أوله، ويحتاج الكثير من العمل الجاد والواضح تجاه مستقبل المدينة السعودية.

الإمارات العربية المتحدة:

تختلف التجربة في المدن الإماراتية. فمع فارق المساحة وعدد السكان، إضافةً إلى التركيز على منهج التنمية الذي تم تبنيه منذ نهاية التسعينات، استطاعت المدن الإماراتية أن تُحقق نجاح باهر في عملية النمو ولا تزال. يظهر ذلك بوضوح على التركيبة العمرانية للمدن الإماراتية، فمدينة (دبي) مثلاً، شهدت تحولاً تنموياً وعمرانياً كبيراً خلال السنوات الماضية، سواء من خلال المشهد العمراني أو من خلال البنية التحتية والمواصلات. إضافةً إلى جوانب أخرى، كالتنوع البشري والاندماج الثقافي. يمكن القول بأن منهج مدينة (دبي) السياحي والاستثماري للعقار، يُعد هو المحرك الأساسي لنمو المدينة. فالمدينة متاحة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية لاستثمارها في مشاريع ذات أرباح مضمونة وعائد جيد، في ظل توفر الخدمات والبنية التحتية والتشريعات اللازمة. لذلك نجد المشاريع ذات طابع فريد في مدينة (دبي)، سواء على مستوى التصميم أو حتى (الغرض). فالمفهوم الاستثماري هو المحرك الأساسي للتنمية وهو النموذج الذي يمكن قراءة مستقبل المدينة من خلاله. وهو ما يجعل (الهوية) مرتبطة بتوجه رؤوس الإستثمار، وليس الإعتبار الإجتماعي والثقافي، ولذلك نجد الكثير من الإنتقادات حول موضوع الهوية، ونقصد بالهوية هنا، هو الإرتباط الرمزي للموروث العمراني والثقافي للمدينة لمرحلة ما قبل الحداثة.

يختلف الأمر في مدينة (أبو ظبي) مثلاً، والتي تعتمد على نموذج (معرفي – ثقافي) إلى حدٍ ما، وليس ترفيهي سياحي. يظهر ذلك من فكرة التأكيد على المشاريع المعرفية والثقافية، كالمتاحف المحلية والعالمية. ولذلك تحاول المدينة المحافظة على التركيبة العمرانية في إطار يمكن التحكم به وتطويره تدريجياً، بدون إحداث صدمة حضارية، حيث لم تخرج بشكِّل كامل عن التركيبة العمرانية السابقة كما حدث في مدينة (دبي) مثلاً. بالإضافة إلى أنها تسعى دائماً إلى التأكيد على الجانب (الثقافي) كهوية يمكن المُضِي قُدُماً من خلالها. ويمكن القول أن (أبو ظبي) لم تعتمد بشكل كبير على الجانب (العمراني) كمعيار للهوية، بل توسعت في مسارات ثقافية اخرى، كالمهرجانات الثقافية، الجمعيات الفنية والثقافية، كنوع من النشاطات التي تجسد الهوية المعنوية للمدينة في ظل إطار تنمية (معرفية – ثقافية)، ولذلك نجدها تعاملت مع مدينة (مصدر) كنطاق حضري مختلف وخارج عن المدينة نفسها، وبتصميم وتنمية مختلفة تماماً، كذلك نفس التوجه في مدينة (ياس) إن صح لنا القول، وهو ما يمكن وصفه بأنه وعي تجاه حدود مدينة (أبو ظبي) وعدم انحراف مسار التنمية لها.

 

وجهات نظر نقدية:

في مقال بعنوان (مدن الطفرة) للدكتور (ناصر الرباط)، أستاذ العمارة الإسلامية في جامعة (MIT) الأمريكية، تناول واقع ومستقبل مدن الخليج من منظور نقدي. يُشير الدكتور إلى أنه رغم اختلاف (التوجه التنموي) بين مدن الخليج، إلا أن الأسلوب يتقارب بين المدن. حيث يتم الاعتماد على الأيقونات المعمارية، بوصفها نقطة الجذب الأولى. ولذلك نجد العديد من الأيقونات المعمارية في هذه المدن وبتصميم مشاهير العمارة. ويتساءل الدكتور في مقارنة بين المشهد المعماري والمضمون الاجتماعي للمدينة، وكيف أن هناك تفاوت كبير في إطار (الإنتاجية) وثقافة المجتمع نفسه. حيث يرى الدكتور أن هذا التوجه يعتبر غير حقيقي، لوجود التفاوت بين العمران والإطار الحضري والمجتمع، على أساس أنها علاقة متماثلة، يجدر بها أن تتلازم وتنمو بشكل متقارب.

في المقابل، يطرح الدكتور (علي عبد الرؤوف) رؤية إيجابية عن هذا التحول في مدن الخليج، وتحديداً مدينة (الدوحة) في قطر. فمن خلال ورقة بعنوان (تحولات التنمية وتوجهات الاستثمار) يرى أن متخذي القرار في مدن الخليج أخذوا الخطوة الأهم في مستقبل التنمية للخروج من إطار التنمية القائمة على البترول، وأنه لو لم يتم إتخاذ هذا القرار بشكل عاجل، لما استطاعت المدن الخليجية وتحديداً (الدوحة) من المواكبة في المستقبل القريب، حيث سيتم إعتبارها من المدن الخارجة عن إطار التطور على المستوى العالمي.

 

لا شك أن مرحلة (ما بعد البترول) ستلقي بظلالها على المدن الخليجية، ولا شك أن هذا التحول سيلمس أيضاً، المجتمع الخليجي بشكل عام، إلا أن التنبؤات حول هذا التغيير، تتذبذب مابين الإيجابية والسلبية، في ظل عدم وجود الدراسات الكافية، والتي تقرأ مستقبل هذا المسار التنموي، وأثره ومتطلباته ومقوماته.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد الثالث لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي