تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

النمو نحو السماء: الاعتبارات العامة

 

تُعرف المدن اليوم بخطوط سمائها أو ما يُعرف بـ(Sky lines)، حيث باتت الأبراج العالية سمة تُميِّز مدينة عن أخرى. وعلى الرغم من التنافس الحاصل اليوم في إرتفاع هذه الأبراج من مكان لآخر، إلا أن هناك بُعد عمراني آخر مهم. حول واقع هذه الأبراج في المنطقة الحضرية وتأثيراتها العمرانية، الاجتماعية والبيئية على المدن نفسها، خصوصاً في ظل النمو العمراني للمدن. في ملف عددنا الثالث، سنحاول تسليط الضوء على أبرز الإعتبارات اللازمة للنمو رأسياً.

 

يمكن تبسيط المحيط العمراني (Urban Context) للمدن من خلال ترتيب لعدد من العوامل العمرانية. فالنسيج العمراني لأي مدينة هو انعكاس للأحداث التي تحصل للمكان في ظل النمو، التحول والتغيير، حيث تعكس المباني طريقة الترتيب لهذه الأحداث خلال الزمن لتُكَوِّن المشهد المعماري أو الحضاري للمدينة (Architectural Sense). ولذلك تعتمد قراراتنا نحو المدن حول أولوية هذه العوامل، وواقعها ضمن محيط المدينة نفسها وهويتها ومجتمعها وبيئتها، والأهم من ذلك هو (اقتصادها). حيث يرتبط (النمو) في المدن بالاقتصاد بشكل كبير جداً. فبدون (الاقتصاد) لا يمكن أن يكون هناك دوران لعجلة النمو، بغض النظر عن الإتجاه.

وعلى الرغم من ظهور (المباني العالية) في التاريخ العمراني للحضارات، إلا أن الإنطلاقة الحقيقية للاتجاه الرأسي كانت في الحقبة الصناعية في القرن التاسع عشر، عندما تمركزت العديد من الأنشطة التجارية في المدن الرئيسية. وللضرورة آنذاك أن تبقى هذه الأنشطة ضمن النطاق العمراني للمدينة. ولمحدودية الأراضي، فإن الخيار الأمثل كان الإتجاه رأسياً لتحقيق أعلى كفاءة والإستفادة من الأراضي، في ظل زيادة أسعار الأراضي وتوفر الخدمات.

 

 

النمو رأسياً:

على المستوى التخطيطي، يواجه المخططون، أصحاب القرار والمطورون خيارين تجاه تحديد اتجاه المدن الإتجاه الأفقي، والذي يعني اتساع النطاق العمراني للمدن على الأرض، أو الإتجاه الرأسي، وهو التغير في ارتفاعات المباني وأطوالها. حيث لكل خيار معاييره وإيجابياته وسلبياته. وكل خيار يعتمد على معطيات واقع المدن والرؤية تجاه مستقبلها، في ظل عدد من المحددات الرئيسية العامة والتي يمكن من خلالها معرفة إذا ما كان هذا الخيار هو الأمثل لتوجيه النمو العمراني أم لا. هذه العوامل يمكن استعراضها على النحو التالي:

أولاً: الاعتبارات الاقتصادية:

كنا قد أشرنا إلى أن الاقتصاد يُعد من العوامل المحفِّزة للاتجاه الرأسي. إلا أنه، وحين البدء في اتخاذ هذا الإتجاه للنمو، هناك عدد من المحددات أو الاعتبارات الاقتصادية التي تنتج ويجب أخذها في الاعتبار، كتكلفة الإنشاء والتطوير للمباني العالية وما يترتب على ذلك من توفر أحدث التكنولوجيا للبناء والتشغيل. أضف إلى ذلك تكاليف الطاقة، حيث سيتم احتواء أكبر عدد ممكن من المستخدمين، في مساحة محدودة وبشكل رأسي (طوابق). مما سيزيد من قيمة الأرض، وأشكال الاستثمار ومحدداتها.

ثانياً: الاعتبارات البيئية:

الإتجاه الرأسي للمدن له تأثير كبير على البيئة، سواء من حيث تغير حركة الرياح، التظليل، التهوية وغيرها من التغيرات البيئية التي يمكن أن تحدث في الإطار البيئي للمنطقة أو النطاق الحضري. هناك أيضاً ناتج الاستخدام لهذه المباني العالية، كإستهلاك المياه والمخلفات وغيرها. فنتيجة لعدد المستخدمين الكبير في منطقة محددة، فأنه يترتب على ذلك إرتفاع في ناتج المخلفات واستخدام الطاقة. ولذلك تعتمد بعض المدن على معايير بيئية عالية وصارمة إذا ما تعلق الأمر بالتوجه الرأسي.

ثالثاً: البنية التحتية:

تُعد البنية التحتية من أهم الاعتبارات لتأسيس قاعدة التوجه الرأسي. فبدون بنية تحتية جيدة تخدم هذا التوجه، لا يمكن لأي نمو رأسي أن ينجح. ولا تقف البنية التحتية عند حدود تأمين الخدمات الأساسية وحسب (كالكهرباء، المياه والصرف الصحي)، بل تتجاوز ذلك إلى الإتصالات والتقنية وحتى الطرق والشوارع والمواقف. وعادةً ما يتم تطوير البنية التحتية كمشروع مستقل ومرحلة أولى قبل البدء بالسماح لتغير النمو العمراني في منطقة ما نحو الرأسي، بعد دراسة إمكانيات تحملها لتشغيل مثل هذا النوع من المشاريع الحضرية.

رابعاً: الاعتبارات الاجتماعية والثقافية:

تلعب الاعتبارات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات دوراً كبيراً في نجاح النمو الرأسي. فالعمل أو السكن على ارتفاعات عالية، قد لا يكون مقبول بشكل كبير لدى بعض المجتمعات والتي تفضل البقاء في حيز فراغي يحترم المقياس الإنساني، وقد يكون الأمر مرتبط بإطار ثقافي للمدينة نفسها. فالتوجه الرأسي يُعد من الخيارات التي تُعيد تشكيل المدن بشكل سريع جداً، الأمر الذي قد يتسبب في حدوث فجوة ثقافية بين المكان والمجتمع، وهو ما يمكن مشاهدته في بعض الدول العربية تحت ما يُعرف بـ (هوية المدن).

 

 

هذه الإعتبارات تشكل المدخل العام، لقياس ملائمة الإتجاه الرأسي للمدن، ومع ذلك يبقى هناك الكثير من التفاصيل، التي تميز تجربة عن أخرى. قد لا يكون من الصحيح، الحكم بشكل مطلق على هذا النوع من الإتجاه، من جانب واحد، أو من زاوية نظر وحيدة. حيث من المفروض أن يتم النظر من زاوية كبرى، تشمل جميع المعايير والإعتبارات، وتدرسها ضمن الإطار الزمني الحالي والمستقبلي. الإتجاه الرأسي كان حل جيد لكثير من المشكلات الحضرية والتنموية لعدد من الدول، كقضية الإسكان، ومناطق الأعمال، ومحدودية الأرض وغيرها، إلا أن درجة التعقيد لهذه المشاكل تختلف من مكان لآخر. في تغطيتنا لهذا العدد، سنحاول أن نقرأ هذا التوجه للمدينة الخليجية بشكل أكثر تفصيل، ضمن مرحلة ما يعرف بـ (ما بعد البترول) فإلى هناك.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد الثالث لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر