روبرت موسز: أشهر مطور للمدن

 

(روبرت موسز) مطور مدينة نيويورك ويوصف أحياناً بأنه (أعظم مطور للمدن في العصر الحديث). لن تستطيع أن تحكم عليه إذا قرأت عنه في الوسط الأكاديمي، فهناك من يعتبر قراراته فتحت الباب لتصبح نيويورك من أهم مدن العالم، وهناك من يرى أن قراراته كانت بداية (سقوط) المدينة. ولكن تأثيره على المدينة يعتبر مفصلي، لأن المدينة تغيرت في عهده بشكل يفوق ما كانت عليه في عهد زميله (لا قارديا) الذي ازدهرت بعهده نيويورك بشكل غير مسبوق.

من خلال قراءاتي في سيرة هذا الرجل، اتضح لي أنه شخص عملي ولديه أفكار كثيرة في التخطيط العمراني. ووفق منهجية (روبرت) فهو يرى أن وجود الأفكار بحد ذاتها ليست مهارة، بل المهارة هي الوصول للسلطة لتطبيقها وتحويلها للواقع، لذلك خصص جزءاً من وقته العملي في محاولة التقرب إلى أصحاب السلطة. وستجد له الكثير من الصور مع رؤساء أمريكا، بريطانيا وكندا وغيرها. وتقرب إلى الكثير من حكام الولايات واستطاع بنجاح أن يخطف منصب أمين مدينة نيويورك، من خلال تقربه إليهم وإظهار قدرته على حكم هذه المدينة التي كانت تعج بالعشوائيات آنذاك.

رغم الانتقادات الكثيرة الموجهة له في كثير من الأبحاث، إلا أن هناك طائفة واسعة من النقاد اتفقوا على إيجابيات شخصية له كثيرة. لعل أبرزها عدالة الرجل العملية، فهو لا يعترف بالانتماءات السياسية أو الطائفية للموظفين وكان يعاملهم وفق (ميزان الإنتاجية) الذي كان ركيزة مهمة له في اختيار القيادات حوله. ففي أحيان كثيرة كان بعض خصومه يصبحون من القيادات المختارة له، لأنه كان يرى في بعضهم أشخاص منتجين. الإيجابية الثانية كانت دقته في العمل، فخلال فترة عمله لم يبنى مستشفى أو مدرسة أو حديقة، إلا بعد أن يدققها بنفسه ويطَّلع على مخططاتها بالكامل. وكان عند مراجعة المشاريع يركز على عنصرين مهمين وهما (التصميم) و(الموقع). أما الإيجابية الثالثة فكانت استغلال (المخاطر) وتحويلها لفرص. على سبيل المثال، في فترة الكساد الاقتصادي التي مرت بها نيويورك تم تسريح مئات الآلاف من العمال من وظائفهم. هؤلاء العمال كان يرى (روبرت) فيهم قوة إنتاجية كامنة قد تفيد المدينة، لذلك قام بالتعاقد مع (88) ألف عامل منهم، لإعادة تطوير بعض الحدائق والأراضي البيضاء وتحويلها لحدائق مطورة بإضافة ملاعب للتنس وممرات مغطاة، بالإضافة إلى بعض الإضافات المائية.

ولكن من جهة أخرى، كانت له بعض السلبيات. من أشهر سلبياته أنه دعم مشاريع (التجديد الحضري) على حساب الفقراء. فكانت مشاريع الأبراج والخطوط السريعة هي أبرز آثاره. وللأسف أنها كانت تقع في أماكن المدن القديمة وأماكن الفقراء، وكانت تبنى بدلاً منها أماكن للأغنياء. لذلك، المدينة في عهده تم تقسيمها إلى قطاعات فقيرة وغنية، وهو ما أثر على السكان من ناحية اجتماعية واقتصادية. أيضاً من سلبياته أنه قدّم ثقافة التنقل بالسيارة على ثقافة النقل العام، فتمددت نيويورك لمساحة جغرافية شاسعة أصبح من الصعب التحكم بها إلى يومنا هذا.

سيرة الرجل مليئة بالأخبار والتجارب ودراسة سيرته أمر مهم للحالة في مدننا السعودية. فروبرت أتى في فترة صعبة لنيويورك مليئة بالمعضلات ولكنه استطاع بحنكة أن يصنع مدينة منتجة، على الأقل اكتسبت فيها مكانة اقتصادية، ومن ثمَّ تحولت اليوم لمدينة حيوية ترفع جودة الحياة لسكانها.

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي