الإزدحام المروري: الوجه الآخر للتمدن

 

 

لاشك أن قضية الازدحام المروري، تُعد من أهم قضايا المدينة الحديثة، وذات تأثير سلبي على حياة ووقت الأفراد والمجتمعات. فهي من المؤشرات القوية على وجود خلل بالمدينة من عدة مستويات، البعض يفسرها على أنها زيادة في عدد السكان، أو نتيجة عكسية للنمو العمراني، أو حتى عدم قراءة للتوقعات أثناء تخطيط وتصميم طرق وشوارع المدينة، وهناك من يراها كوجه آخر للتمدن. في هذا العدد سنحاول تسليط الضوء على قضية الازدحام المروري من زاوية عمرانية، وانعكاسات ذلك على البيئة الاجتماعية والاقتصادية.

 

ما معنى الازدحام المروري؟

على الرغم من أن الازدحام المروري يمكن تعريفه، كوصف لحالة السيارات على الطريق في موقع معين وزمن محدد، إلا أن هناك عدد من التعريفات التي تتناول الازدحام المروري أو ما يعرف بـ(Traffic Congestion). فمثلاً يعرفه (ردوريك 2009) على (أنه يمكن النظر إلى الازدحام باعتباره عواقب لا يمكن تجنبها نتيجة لفشل إحدى مرافق النقل كمساحة الطريق، المواقف، إشارات الطريق وإدارة المرور) (رودريك وآخرون). فيما يرى (داوني 2008) أن الازدحام المروري هو (حالة تحدث عندما يتجاوز حجم المرور الطاقة الاستيعابية للطريق أو ما يعرف بنقطة التشبع (saturation point)، ويمكن القول بان الازدحام المروري هو (زيادة عدد المركبات في نقطة ما على الطريق على السعة التصميمية هندسياً لذلك الطريق).

 

لماذا يحدث الازدحام المروري؟

من خلال التعريفات السابقة، يتضح لنا أن الازدحام المروري يرتبط بالعديد من العوامل، التي تساهم في وجود هذه الحالة، إلا أنها ترتبط في مجملها بعاملين أساسيين، هما (عدد المركبات) أو ما يعرف بـ(حجم المرور) (Traffic Volume) والعامل الآخر هو (سعة الطريق) أو ما يعرف بـ(Road Capacity). فكلما زاد حجم المرور أو عدد المركبات على سعة الطريق حدث الازدحام المروري، وكلما قل حجم المرور على سعة الطريق حدث الانسياب المروري. وعلى الرغم من بساطة هذا التحليل للازدحام المروري، إلا أنه هناك عوامل أخرى تسبب زيادة عدد المركبات وقصور سعة الطرق. هذه العوامل يمكن استعراضها على النحو التالي:

نمو المدن:

من المعروف أن المدن في حالة نمو مضطرد، فمدننا اليوم ليست كما هي عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة، سواء من حجم المدينة نفسها أو من حيث عدد السكان، وهو ما يعني زيادة كثافة المركبات على الطرق. هذا النمو السريع والزيادة في عدد المركبات، يقابله نمو متواضع للطرق، إما لارتفاع تكاليف التطوير أو محدودية الفراغ الحضري ومحدداته أو حتى زيادة عدد السكان بشكل أكبر من المتوقع. ولذلك يحدث نوع من عدم التوازن بين حجم المرور الفعلي والطاقة الاستيعابية للطرق داخل وعلى حدود المدن.

سوء تصميم الطرق:

قد يحدث الازدحام المروري، نتيجة لسوء تصميم الطرق وتخطيطها ضمن النطاق الحضري للمدينة، سواء على مستوى الطريق من حيث معايير التصميم، كعرض المسارات، وجود التقاطعات، استقامة الطريق .. الخ. أو من حيث الوصولية والحركة بين الطرق داخل وعلى حدود المدينة. ويعود سوء التصميم، إما لعدم المعرفة بأحدث التطورات الحديثة في مجال هندسة المرور والنقل، أو لعدم التقدير الجيد لنمو واتساع المدن.

غياب وسائل النقل العام:

من أهم أسباب ظهور الازدحام المروري، هو الاعتماد على المركبات الشخصية كوسيلة تنقل، وذلك لعدم وجود بدائل نقل أخرى أو تدني مستواها، ولذلك تسعى الدول لتطوير أنظمة النقل لديها وفق توقعات وتقديرات مستقبلية مدروسة بعناية، بهدف الحفاظ على العامود الفقري (النقل) لمدنها، وما يترتب على ذلك من تبعات اقتصادية، بيئية واجتماعية. ويشير المهندس (مصلح بن تركي - أخصائي إدارة مرافق) في هذا الصدد إلى أن  (غياب وسائل النقل العام يساهم في ازدياد سريع لأعداد المركبات، حيث تتحول طرقاتنا تدريجياً لبحر من المركبات الصغيرة والكبيرة، والتي تتكدس في الطرق الرئيسية والفرعية. ومهما تم تطوير أو توسيع تلك الطرق فإن ذلك لن يحل المشكلة).

عوامل أخرى:

هناك بعض العوامل الثانوية المهمة في ظهور مشكلة الازدحام، كقلة تكلفة الوقود، قدرة الفرد على تملك المركبة الشخصية، بُعد المسافات بين أماكن السكن والعمل، غياب ثقافة مشاركة النقل، غياب ثقافة الاستخدام، طبيعة المناخ للمدينة، غياب التصميم الشامل، تداخل المركبات الشخصية مع العربات أو الآليات الكبيرة وغيرها.

 

 

كيف يحدث الازدحام المروري؟

يعتمد مهندسو الطرق والجهات المسؤولة عن إدارة المرور، في تحليلهم لانسيابية الطرق على قياس مستوى الخدمة أو ما يعرف بـ(Level of Service)، وهو قياس لنسبة مشغولية الطريق، عن طريق المعادلة التالية (حجم المرور ÷ سعة الطريق). فكلما كانت النسبة قريبة من الواحد، فإن ذلك يعني مشغولية عالية وبالتالي حالة ازدحام للطريق، وكلما قلت النسبة معنى ذلك أن الطريق بدأ يتحسن وهناك حالة من الانسيابية المرورية. إلا أن هذه المعادلة تخضع لعدد من العوامل، كأطوال مقاطع الطريق، وعدد المداخل والمخارج الثانوية وساعات الذروة وغيرها من العوامل الطارئة، كالحوادث وأعمال الصيانة. ومن أفضل المراجع لقياس الخدمة للطريق هو (دليل سعة الطريق الأمريكي)، حيث يعتمد على تقسيم خدمة الطريق إلى ستة مستويات، كل مستوى منها يعكس حالة الخدمة للطريق. وبشكل عام تشير معظم المصادر العالمية إلى أن الازدحام المروري يبدأ عند وصول نسبة مشغولية الطريق (85.0).

 

إشكالية الازدحام المروري بالمملكة:

تواجه المملكة العربية السعودية، عدد من المشكلات الناتجة عن الازدحام المروري، كالحوادث المرورية، استهلاك الوقود، زيادة زمن الرحلات، بالإضافة إلى ما يترتب على ذلك من مشاكل بيئية. فبحسب الهيئة العامة للإحصاء بلغ عدد الحوادث المرورية في عام (2015م) إلى (518795) حادث مروري، نسبة الوفيات كانت (1.5%) أما المصابون فكانت (7%). حيث تمركزت معظم الحوادث في المناطق الرئيسية الكبرى بنسبة (75.32%) من الحوادث المرورية بالمملكة، احتلت منطقة الرياض النسبة الأكبر (33.78%) يليها منطقة مكة المكرمة بنسبة (24.94%) والمنطقة الشرقية بنسبة (16.60%). ويفسر هذه النسبة التمركز السكاني في هذه المناطق الثلاثة، حيث يشكلون ما نسبته (66.5%) من سكان المملكة. وتذكر الإحصائيات أن قطاع النقل يستهلك ما يقارب (23%) من إجمالي الطاقة، حيث وصل عدد أسطول المركبات في المملكة لعام(2014م) إلى (12) مليون مركبة، تشكل المركبات الشخصية منها (82%). وبحسب الإدارة العامة للمرور، وصل عدد أسطول المركبات لعام (2015م) إلى (17.54) مليون مركبة، ويتوقع أن تصل إلى (26) مليون مركبة بحلول عام (2030م)، ويشير المهندس (مصلح بن تركي) في هذا الصدد إلى أن (وصول عدد المركبات إلى (26) مليون مركبة، لا يُعد هاجساً إذا توفرت وسائل

النقل العام والحلول الذكية في مدن السعودية خاصة المدن الرئيسية) ويضيف (أن هذا العدد ليس موجود ضمن نطاق واحد، بل موزَّع على كافة مدن وقرى محافظات السعودية).

 

الحلول المتاحة:

يتجه البعض نحو حلول مباشرة لحل مشكلة الازدحام المروري، كزيادة الطاقة الاستيعابية للطرق (سعة الطريق). إلا أن هذه المعالجات قد تساهم في زيادة عدد المركبات واستمرار المشكلة، ولذلك يرى بعض المختصين ضرورة البحث عن حلول تحسينية. في دراسة أجراها عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، الدكتور (علي سعيد الغامدي) بعنوان (الاختناقات المرورية: حلول تقنية)، أشار الدكتور إلى أنه من الصعوبة حل قضية الازدحام المروري من خلال إزالة الطرق وإعادة البناء لعامل التكلفة أولاً، ولأسباب تتعلق بالمحددات والمعوقات الطبيعية للحيز الحضري ثانياً، وأضاف أنه من الممكن العمل على تخفيف الازدحام المروري من خلال طرق تحسينية ذات طبيعة تقنية.

 

اليوم يتجه العالم نحو ما يعرف بنظام (النقل الذكي) كأحد الاتجاهات الحديثة لحل مشكلات النقل التقليدية أو القديمة، لكن ما هي تطبيقات هذا النظام الذكي للنقل؟ وكيف يمكن توظيفه في ظروف مختلفة؟ هذا ما سنتناوله في تغطيتنا لهذا العدد خلال الصفحات القادمة.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد الثاني لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي