من يُديِر المُدن السعودية؟

 

ثمة تفسير كامن للمشاكل العمرانية التي تعاني منها المدن السعودية يكمن في الإجابة على السؤال الحرج: من يُديِر المُدن السعودية؟ للوهلة الأولى قد يبدو الأمر سهلاً وبديهياً ومُسّلم به، إلا أن ذوي التخصص الدقيق في حقل الإدارة العمرانية، لهم رأي آخر مغاير تماماً لما يُعتقد أنه إجابة صحيحة عن هذا السؤال الذي يُطرح منذ ثلاثة وتسعون عاماً، أي مع ظهور أول تنظيم للبلديات ضمن التعليمات الأساسية للمملكة عام (1345هـ)، ومروراً بحزمة من القرارات والتنظيمات الإدارية التي صدرت بعد هذا التاريخ، وحتى يومنا هذا.

لم تظهر الإدارة المحلية في المدينة السعودية كجهاز إداري ذو شخصية اعتبارية، وما تعنيه من استقلالية إدارية ومالية ورقابية، تُمكِّن من صناعة واتخاذ القرار " المُوحّد" داخل منظومة الإدارة العمرانية، على مستوى التخطيط والتنفيذ والإشراف والمتابعة، بل توزعت تلك الإدارة المحلية على هيئة تكوينات إدارية منفردة، يختص كل منها بمهام ومسئوليات مستقلة، مما أدى الى ضعف مستوى التنسيق في الإدارة المكانية المُمنهجة وما يرتبط بها من وظائف عمرانية، أعاقت تحول هذه المدن من مرحلة النمو الى مرحلة التنمية العمرانية المُخطط لها مع بداية الخطة الخمسية الأولى للدولة عام (1970م). على سبيل المثال لو تناولنا تحليلاً عملياً لمسئوليات أمير المنطقة (المحافظ أو رئيس المركز) ومجلس المنطقة (المجلس المحلي) التي وردت في نظام المناطق الصادر عام (1412هـ) ، وما يناظرها من مسئوليات لأمين المنطقة (رئيس البلدية ) والمجلس البلدي في نظام البلديات والقرى الصادر عام (1379هـ)، سنجد ازدواجية كبيرة وتداخل في الصلاحيات في كثير من القرارات التي تٌعنى بإدارة التنمية العمرانية والقطاعية المختلفة داخل المدينة حتى وإن كانت تلك المسئوليات والمهام "محددة" في ظاهرها إلا أن الواقع العملي يبرهن أن ثمة تقاطعات بحاجة مُلحة لنموذج إداري "مؤسسي" أكثر تطوراً واحترافية في إدارة المكان.

الإستراتيجية العمرانية الوطنية التي أقرت عام (1421هـ)، لتحقيق التنمية العمرانية المتوازنة في جميع مناطق المملكة حتى عام (1450هـ)، مثال حي على عدم قدرة المدن السعودية على " الإدارة الذاتية" ومن ثم التحكم في تنفيذ الخطط التشغيلية القطاعية للجهات الحكومية المختلفة لتلبية مخرجات تلك الإستراتيجية، ذلك نتيجة لضعف التنسيق على مستوى التخطيط الاستراتيجي وحتى على مستوى الإدارة التنفيذية لمختلف الإدارات المحلية، بل إن كثير من تلك القطاعات عملت بمعزل عن الاستراتيجية العمرانية الوطنية وخارج أطرها التنظيمية، وكان نتيجة ذلك هدر كبير  في الميزانيات وضياع لكثير من الجهود، وبالتالي فشل متكرر في إيجاد بيئة عمرانية متكاملة الوظائف.

التخطيط العمراني – بمستوياته المختلفة – هو الخاسر الأكبر من حالة "اللاتنسيق" التي تمر بها المدن السعودية، فلم يعد من المقبول أن ستمر في استخدام نفس الأدوات والحلول التقليدية لإدارة المدن السعودية وفق النموذج القائم، والذي حتماً لن يتمكن من ترجمة ما يوصي به المُخططون والمصممون العمرانيين من مخرجات على هيئة برامج ومشاريع عملية على أرض الواقع، فالبيئة الإدارية لازالت مُعقّدة ومُقيّدة وغير مرنة، وبحاجة إلى اختزال مساحات كبيرة من " البيروقراطية". علينا أن نكون أكثر جرأة في مناقشة الواقع ومسبباته، وتبني حلولاً إدارية وعمرانية جذرية تُمكننا من بناء منظومة موحدة تمتلك قراراً واحداً تُسيّر به مٌدننا.

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي