تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

تراث الخرسانة: الحفاظ لأجيال القادمة

 

الحفاظ على التراث المعماري، لا يعني بالضرورة تحويل مباني تاريخية إلى متاحف ومزارات, فمن أشكال الحفاظ على التراث المعماري، إعادة تأهيل المباني ذات القيمة الاقتصادية، والتي تحمل خصائص معمارية تمثل حقبة زمنية معينة، وإعادة استخدام هذه المباني، لنفس الغرض الذي تم إنشاؤها من أجله في الأساس. هذه المباني (التراثية) ليس من الضروري أن تكون برواشين حجازية أو من الطين أو من مواد محلية فقط - مع أن الإهتمام بهذا النوع من المباني مهم - فالمباني الخرسانية في الأحياء القديمة، يمكن النظر إليها بإعتبارها (تراث) عمراني لحقبة مهمة في تاريخنا. كمباني الخمسينات والستينات الخرسانية، والتي شكلت مرحلة انتقالية مهمة في أغلب مدن المملكة، وسطرت تاريخ تحول ذائقة سكانها المعمارية، فكانت مدن المملكة تقارن نفسها بمدن العالم آنذاك، وتحاكي فنون العمارة العالمية والعربية، باحثة عن هوية جديدة تواكب تطورها الاقتصادي والحضاري. واليوم مع الأسف، تحولت دلائل هذا التطور لبيئة طاردة للسكان، إلا من بعض القلة، الذي أجبرته محدودية قدراته المالية على البقاء فيها.

أن المشاهد اليوم لمباني هذه المرحلة في أحياء مدننا القديمة ومراكزها، يرى حجم الأهمال الذي تكابده هذه المباني، حيث تفتقد للصيانة سواء من ملاكها او قاطنيها. على الرغم من العائد الإقتصادي الكبير لو تم المحافظة عليها، كون مراكز المدن والأحياء القديمة تمتلك العديد من المقومات والخدمات، فعلى عكس مراكز المدن في العالم,  تركت هذه الفئة من المباني الخرسانية القديمة نسبياً في أغلب مدن المملكة دون اهتمام أو صيانة لسنوات طويلة، مما أدى إلى تراكم وارتفاع تكلفة ترميمها وصيانتها، إضافة إلى تغير بعض خصائصها الأساسية، فأصبحت واجهات لمحلات تجارية ومكاتب لمؤسسات مهملة أيضاُ، وأن تم ترميمها، فأن عمليات الترميم أو التحسين لهذه المباني، لا تخرج عن تكسيات خارجية بألواح معدنية، تطمس معها معالمها المعمارية والحضارية لحقبة تاريخية مهمة. هذه المباني تركها ساكنيها خلفهم بحثاً عن التجديد، لوجود مفاهيم إجتماعية حثت الناس على تغيير مساكنهم والإنتقال لأحياء أخرى، ولم تهتم بها الجهات المعنية، التي ركزت على فئة معينة من التراث فقط.

لعل الإستمرار بهذا السلوك وهجر الأحياء بعد اكتمال خدماتها، بحثاً عن تجديد مزيف، يمثل عبء اقتصادي حقيقي، عوضا عن الهدر الثقافي, فالجدوى الإقتصادية للبنية التحتية المستثمرة في هذه الأحياء والمراكز، لم تستغل بالشكل الصحيح، لمحدودية سنوات الإستفادة الكاملة منها, وهي أيضا تمثل هدراً للموارد المستهلكة للمباني في محيطها. وهو ما يتطلب أن نعيد التفكير في إعادة تجديد هذه المناطق ضمن نطاق المدينة وكجزء منها، ليس من خلال الإزالة والهدم، ولكن من خلال المحافظة عليها، كمكون تراثي وتاريخي لنسيج المدينة نفسها العمراني او الإجتماعي او حتى الإقتصادي.

قد يكون فرض جولات تفتيشة مع بداية عقود التأجير أو نقل الملكية لقياس مستوى الصيانة والمحافظة على مباني هذه الأحياء، من الحلول الأولية لاستدامة هذه الموارد. وكذلك للمحافظة على مستواها الوظيفي والجمالي، وحفظ حقوق ساكنيها ومستأجريها.  ولعل ما نشاهده في دول العالم من توجه للحفاظ على هذا الفئة من المباني، خير دليل على أهمية هذا التوجه وضرورته، فالمبنى الذي يحتضن متاجر (هارودز) انتهى بناءه عام (1905م)، والرئيس الأمريكي (باراك أوباما) سينتقل لمنزل بني عام (1928م) بعد ماقضى فترة في البيت الأبيض الذي تم بناءه عام (1800م). ولعل ما تقوم به دولة مصر من الحفاظ على التراث المعماري للحقبات التي مرت بها، خلال القرن العشرين، يعد من المبادرات العربية الجيدة والمهمة في هذا المجال. فكم أتمنى أن نشعر بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة لحفظ وتوثيق ما نعتقد انه غير جدير بذلك، فربما نلام على إهماله يوماً ما.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر