تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

تقليص المسكن أم تطوير الحي؟ قراءة في حلول الإسكان المتداولة

 

يتساءل الكثير عن ما إذا كنا فعلاً نعاني من أزمة إسكان، وهل نحن عاجزون عن حلها بشكل نهائي؟ بالرغم من الإمكانيات والوسائل المتاحة لدينا؟ أن الإجابة على هذا التساؤلات تستوجب الوقوف بموضوعية على الحلول المتاحة، وإمكانية تطبيقها ضمن بعدها الإقتصادي، الإجتماعي، البيئي وحتى الزمني. فقضايا الإسكان من القضايا التي ترتبط بعوامل عديد، عادة ما تكون خارج نطاق الإسكان نفسه. في هذه التغطية سنحاول استعراض أهم الحلول المتداولة بين المختصين والمهتمين لقضية الإسكان، والتعرف أكثر على إمكانية تطبيقها.

 

في دراسة قام بها فريق من جامعة الملك فيصل لتحديد (الطلب على السكن بالمملكة للفترة من (2005-2025) نشرت في مؤتمر العقار الثالث بالدمام والذي نظمته الغرفة التجارية بالشرقية، أشار الباحثون إلى عدد من النتائح والتوصيات المهمة في تطور الطلب على المسكن السعودي خلال الأعوام القادمة، حيث توقعت الدراسة أن يصل الطلب على الوحدات السكنية خلال الفترة (2005-2025) إلى (2.9) مليون وحدة سكنية بمعدل (145) ألف وحدة سكنية سنوياً، كما قدرت الدراسة في نفس الفترة الحاجة إلى إعادة بناء (1.1) مليون وحدة سكنية (الشيحة وآخرون). وعلى الرغم من أن الدراسة ركزت على أعداد الطلب للمسكن السعودي، دون تقديم حلول إسكانية، إلا أنها أشارت في نفس الوقت إلى الكثير من النتائج المهمة حول المسكن السعودي، حسب الملخص الذي حصلت عليه وحدة البحث بالمجلة.

في نفس السياق، يتداول الكثير من المختصين طرح حلول إسكانية لحل أزمة الإسكان، بعض هذه الحلول لاقت صدى واسع، وأخرى لم يتم تداولها بالتوسع المطلوب، وسنحاول إستعراض هذه الحلول على النحو التالي بشيء من التفصيل

 

أولاً: إعادة توزيع محاور التنمية:

يرى بعض المختصين أن أحد الأسباب وراء أزمة الإسكان بالمملكة، تكمن في التكدس السكاني بالمدن الكبرى، والذي أستمر لسنوات نتيجة لتمركز التنمية في هذه المدن وزيادة الهجرة الداخلية نحوها. يرى المهندس إبراهيم الصحن أن (الأفراد لديهم قناعة بأن التواجد في مدينة كبيرة سيحقق لهم وضع مالي ووظيفي أفضل, هذه الهجرة تجاه المدن الكبرى قد تسبب عدد من المشاكل الحضرية كخلل بميزان الخدمات والبنية التحتية، الازدحام المروري وأزمة ارتفاع سعر السكن سواء للشراء أو الإيجار وضعف الدخل مقابل ارتفاع تكلفة المعيشة) ويرى المهندس إبراهيم الصحن أن (لكل مدينة إستعاب معين من الخدمات، البنية التحتية والتوسع الأفقي أو الرأسي، وهناك أيضاً نطاق محدد ومثالي للمدينة من العدد السكاني، ويجب على الجهات المعنية أن تحدد إستيعاب المدن والمناطق)، وبحسب المسح الديموغرافي (2016) لهيئة الإحصاء، تحتل المناطق الإدارية (الرياض، مكة المكرمة والشرقية) النسبة الأكبر من سكان المملكة، حيث يتمركز فيها ما يشكل نسبة (66.5%) من سكان المملكة،  يبلغ عدد سكان مدينة الرياض (5254560) نسمه بنسبة (65.6%) من سكان منطقة الرياض، بينما يقطن مدينة جدة (3456259) نسمة وبنسبة (41.5%) من سكان منطقة مكة المكرمة، أما في مدينة الدمام فبلغ عدد السكان (903597) نسمة وبنسبة (22.2%) من سكان المنطقة الشرقية. يتضح من هذه النسب التمركز الواضع لسكان المملكة مقارنة بالمدن الأخرى، وحتى مقارنة بمدن المنطقة نفسها، ولذلك ترتفع معدلات الطلب على الوحدات السكنية في هذه المناطق دون غيرها، في ظل قلة الأراضي المخصصة للسكن، بالإضافة إلى إرتفاع اسعار الأراضي في هذه المدن خلال السنوات الماضية بشكل مبالغ فيه، الأمر الذي دعى إلى إقرار نظام (رسوم الأراضي البيضاء) كحل لإعادة تدوير هذه الأراضي وبأسعار معقولة لبناء المساكن.

 

 

ثانياً: تطوير المخطط السكني:

يشكل الحي السكني، النواء الأساسية لقضية السكن، حيث تؤثر أنظمة التخطيط والبناء المعتمدة للمخططات السكنية، كتقسيمات الأراضي، نظام الارتفاعات للمباني والكثافة السكنية وغيرها، كونها تؤثر بشكل مباشر على المسكن السعودي، سواء من حيث توفره ضمن البيئة السكنية، أو حتى تكلفته أو نوعه. وعلى الرغم من ذلك، فأن هناك العديد من المختصين والمهتمين، الذين يرون أن الحي السكني أو المخطط السكني، يجب أن لا يتوقف عند توفير الأرض وحسب، يشير المهندس إبراهيم الصحن في هذا الصدد إلى أن (السماح بالتوسع الرأسي وزيادة عدد الأدوار والكثافة السكانية، ليست من الحلول المثلى لأزمة الإسكان، فلقد أثبت التجارب في دول أوروبية، للأحياء السكنية ذات الكثافة العالية، مدى الضرر الذي نتج هذه الأحياء، سواء على السكان أو المجتمع ككل) ويضيف (من المهم جداً لأي مشروع سكني، أن يتم تطويره وفق عدد من المعايير، أهمها هو التأكيد على الدمج بين مستويات السكان، وعدم العزل بين فئات المشروع، في سبيل تحقيق بيئة سكنية عادلة، تساهم في تحقيق نمو صحي للنسيج الإجتماعي)

 

ثالثاً: المشاريع الإسكانية:

ينظر إلى وزارة الإسكان على أنها المحرك الرئيس لحل قضية الإسكان، وذلك من خلال إجراءاتها تجاه القضية، والتي على رأسها يأتي إنشاء المشاريع الإسكانية. إلا أن الوزارة تواجه عدد من المشكلات تجاه هذا الإجراء، سواء من حيث قلة الأراضي المخصصة للسكن خصوصاً في المدن الكبرى، أو من خلال إرتفاع تكاليف الإنشاء والمدة الزمنية اللازمة لتنفيذ مشاريع إسكانية تلبي إحتياجات السكن المتزايدة. هذه المشكلات دفعت الوزارة في الفترة الأخيرة، نحو التكامل مع القطاع الخاص، كذراع يساهم في حل أزمة الإسكان عبر مجموعة من البرامج التطويرية، وهو ما يعد من الحلول المتعارف عليها عالمياً، في هذا الصدد يؤكد المهندس حامد بن حميري على (أهمية القطاع الخاص ودوره الكبير في حل أزمة الإسكان وذلك من خلال تطوير مشاريع ومنتجات سكنية مناسبة، كونه يملك القدرة والإمكانيات لتوفير مثل هذه المشاريع) ويرى أيضاً (أنه لابد من دعم وتسهيل الإجراءات للقطاع الخاص والمتمثل في المطورين العقاريون نحو تقديم منتجات بمعايير إجتماعية وإقتصادية، ليس على المستوى السكني وحسب، بل أيضاً التجاري، الصناعي والزراعي) ويرى المهندس إبراهيم الصحن أن (ايكال مهمة بناء المساكن لجهة حكومية كالإسكان فشلت بشدة, فالأولى وجود شركة تطوير سكني مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة مثلا لتقوم بتطوير المساكن خلال المدى القريب والمتوسط (2-7) سنوات. سيضمن ذلك ضخ منتجات سكنية خلال الفترة الانتقالية للسوق في الخمس السنوات القادمة)

 

رابعاً: إعادة تصميم المسكن السعودي:

كثيراً ما يطرح موضوع إعادة تصميم المسكن السعودي، بما يتناسب مع التغيرات الإجتماعية والإقتصادية، سواء كان من خلال التصميم نفسه، أو التفكير خارج الصندوق نحو إيجاد أنماط سكنية جديدة أو حتى من مساحة المسكن نفسه. حيث يؤكد المهندس إبراهيم الصحن على (اعادة النظر في تصميم المنازل و موائمتها لاحتياجات العائلة السعودية و ايجاد تصاميم مبتكرة توازن بين حجم واحتياجات الأسرة السعودية و بين تكاليف تشغيل هذه المساكن من كهرباء و مياه و التي بدأت تصبح عالية و سترتفع مستقبلا بشكل أكبر) ويضيف (يجب اعادة النظر في المساحات و وجود مراكز دراسات متخصصة بالإسكان تشجع المعماريين والمصميين لبحث هذا الموضوع ورفع مستوى الوعي فيه للتوصل إلى حل أمثل لهذه القضية)، وبحسب الدراسة المشار إليها سابقاً (الشيحة وأخرون)، يحتل الفراغ المخصص لاستقبال الضيوف نسبة (40%) من المسكن السعودي، بينما تشكل المعيشة نسبة (15%) وغرف النوم نسبة (42%)، وتشير أيضاً إلى أن مساحة المسكن السعودي تختلف بإختلاف نوع السكن، حيث بلغ متوسط مساحة الفيلا (592.3م2) بينما كانت مساحة دور الفيلا (332.7م2) وتأتي مساحة الشقة بما لا يتجاوز (200م2). ويحتل عدد السكان السعوديين الذين يقطنون الشقة السكنية نسبة (40%) يليها الفيلا بنسبة (30%) ثم دور في فيلا بنسبة (9.2%)، وهو ما يعكس أن النمط المفضل ينحصر مابين الشقة والفيلا، على الرغم من إختلاف المساحة بينهما. ويرى المهندس حامد بن حميري (أن مهمة تطوير المسكن السعودي، يجب أن توكل للمطورين العقاريين، وتنفيذ تصاميم بحسب دراسات واقعية، لما يمتلكونه من إمكانيات، حيث لا يمكن فعلاً التغيير على المستوى الفردي للمواطن من خلاله مسكنه)

 

نظرة عامة:

أستعرضنا عدد من الحلول المتداولة لحل قضية الإسكان على مستويات مختلفة، وعلى الرغم من أن التغطية لم تتناول جميع الجوانب بالتفصيل، إلا أنها ألقت الضوء على الخطوط العريضة لكل حل من الحلول. قضية الإسكان تعد من المسائل الحساسة والتي تستوجب التكاتف على جميع المستويات. للعمل على تقليل الفجوة وسد الإحتياج، إلا أنه من المهم أن تعمل هذه الحلول ضمن مسار متوازي، وضمن منظومة شاملة تعالج نقاط القوة والضعف على حد سواء وتحدد الفرص والمخاطر، وهو ما يتطلب قبول مداخل جديدة للتعامل معها، هذه المداخل لن تكون إلا من خلال التشجيع لطرح الأفكار والحلول المبتكرة، سواء من خلال التصميم أو البحث العلمي الجاد، أو حتى من خلال المؤتمرات والندوات التي تساعد على تبادل الأفكار والخبرات، لتقديم حلول مستدامة ومناسبة لطبيعة المجتمع وبيئته وثقافته.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الأول لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر