تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

التخطيط العمراني ورأس المال الإجتماعي

 

 

عندما يقوم المخطط العمراني بدراسة حالة او بإنشاء خطة تطويرية فإنه عادة يتم التركيز على أمرين مهمين: المنظور التصميمي والمنظور الاقتصادي. ففي المنظور التصميمي يكون جل الاهتمام بتطبيق معايير البلديات وإبراز عامل الجمال البصري ودراسة العلاقات بين المباني باستخدام معايير عالمية مثل FAR او OSR وغيرها من أدوات تضمن توزيعا وظيفيا مناسبا واخراج المشروع بجودة عالية. أما المنظور الاقتصادي ففيه يقوم المخطط بحساب التكاليف والأرباح وبدراسة عوامل السوق وقرارات التصميم التي ستؤثر على القيمة المستقبلية وتطبيق سياسة عادلة لضمان ربحية جميع الأطراف.

ولكن عادة ما يغيب عنصر ثالث مهم وهو رأس المال الاجتماعي (Social Capital) ، وهو مصطلح حديث لدى العمرانيين يكافئ رأس المال النقدي. وهدفه الأساسي رفع العلاقات الاجتماعية بين السكان لضمان رفع الإنتاجية وتعزيز الصحة العامة. ولعلنا في البلاد العربية والإسلامية عموما أقل المتضررين في هذا الأمر بسبب ديننا الحنيف الذي ينادي بصلة الرحم ولكن نحتاج إلى مراقبة هذا العنصر المهم لأنه اخذ في التناقص. اما في الغرب، فالأمر سيء للغاية ورأس مالهم الاجتماعي في انحدار خطير. وسلط الضوء على هذا الامر البروفيسور روبرت بوتنام من جامعة هارفرد في كتابه "Bowling Alone" عندما قدم تحليلا علميا ان اسباب الامراض المنتشرة بأمريكا مثل السرطان، امراض القلب، ونقص المناعة ماهي الا نتيجة "ضعف العلاقات الاجتماعية والاسرية" بالمجتمع الامريكي بالإضافة الى ضعف الجانب الديني. بل العجيب انه ذكر ان العلاقات الاجتماعية الضعيفة أشد خطرا من التدخين والسمنة وارتفاع ضغط الدم على البدن.

ومع التقدم الصناعي في الغرب، تم التعامل مع البشر كالآلة التي تعمل ليل نهار مما أدى إلى تفكك المجتمع، فالوقت في المصانع وأماكن العمل أكثر منه في البيت. وكنتيجة لذلك، تم سن أنظمة وقوانين للتقليل من آثار هذا التفكك ومحاولة استرداد هذه العلاقات ولعل أول من استجاب لهذا التحرك هناك هم المخططين العمرانيين لأهمية دورهم.

جين جيكب كانت اول من نادى برفع الكثافات بالأحياء السكنية ونادت بتعدد الاستخدامات ايضا لتشجيع اللقاءات الغير رسمية بين السكان. فحسب دراساتها، بينت جين ان قوة العلاقات الاجتماعية بين السكان تحد من الجريمة وتقوي من المستوى التعليمي للأطفال وترفع من مستوى هرمون السعادة.

وقامت البلديات بكتابة قوانين تجبر كل مطور للأحياء السكنية بإنشاء حدائق عامة داخلها وتصمم بطريقة تقوم على تشجيع السكان بالتواجد فيها لتبادل الحديث والتعرف. وربط جميع اجزاء هذه الأحياء بشبكة مشاة منفصلة عن طرق السيارات وتدعيمها بملاعب وقاعات مجانية للاحتفال بمناسبات عامة. ولا ننسى المحاولات المستمرة للتقليل من تواجد السيارات والتشجيع على النقل العام.

الى يومنا هذا ما زال الغرب يعاني رغم الجهود الكبيرة لتعزيز رأس المال الاجتماعي. فنسبة الجرائم المرتفعة والعنصرية بين الأعراق المختلفة وعدد ساعات العمل الطويلة تقف عائقا ضد زيادة العلاقات الاجتماعية. والحال مختلف في مدننا، رغم ضعف البنية التحتية داخل الأحياء السكنية المشجعة على التواصل، الا ان العادات الاجتماعية تلعب دور مهم في زيادة راس المال الاجتماعي ولا ننسى كذلك دور المسجد القوي في هذا الامر. بقي ان يستغل المخطط العمراني المحلي الحضور القوي للعلاقات الاجتماعية بمدننا ليدعمها بشكل اكبر في البيئة المبنية ففي هذا المعيار تقف المدن الغربية عاجزة أمام نجاح المدن العربية والإسلامية بشكل عام.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر