تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

التخطيط العمراني مابين التصميم والتعميم

 

الكثير منا يعتقد أن صلب تخصص التخطيط العمراني هو عبارة عن تصميم الأحياء السكنية والعمل على رسم المخططات ودراسة المسافات بين المباني وارتفاعاتها. لعل هذه الفكرة لم تأتي من العامة بل من مؤسسين التخصص وعلى رأسهم "ليويس كيبل" صاحب كتاب "أساسيات عمل التخطيط العمراني" الذي كتبه عام 1952م. هذا الكتاب كان الأول والأشهر في التخصص آنذاك واغلب الجامعات كانت تعتمده كمرجع للطلاب في التخطيط العمراني بل كانت اغلب البلديات تضعه أول القائمة لتصميم وتخطيط مدنها.

"كيبل" كتب كتعريف للتخصص ان التخطيط العمراني هو: "علم ترتيب المباني وتنظيمها .. وهو تخصص يعتمد بالدرجة الأولى على دراسة (العقار) وهو ليس عملية اقتصادية أو اجتماعية أو إدارية". ولأن الكتاب كان منتشراً بدرجة كبيرة جداَ فقد تم تبني نظرية ان التخطيط العمراني هو عملية تصميمية لذلك كان تخصصا يقع بين الهندسة المعمارية والمدنية في أغلب الأحوال. ولكن لم يكن الكثير راضياً عن هذا المنهج. لعل أولهم الفيلسوف الاجتماعي "ليويس ممفورد" الذي ألف كتاباً مهماً للرد على مثل هذا التوجه عنوانه "ما هي المدينة؟" وفيه يؤكد أن المنظور الاجتماعي هو الأهم في التخطيط العمراني وبدونه تسقط كل الخطط. بل أن (ممفورد) أكد على أهمية الجوانب الأخرى غير الاجتماعية عندما عرّف المدينة على انها "كيان مكاني, ومنظومة اقتصادية وعملية إدارية".

وتبع (ممفورد) العالم الاجتماعي "ليويس ويرث" الذي دائماً ما ردد أن المدينة هي "صنع أنشطة البشر" بل أكد أن شخصيات السكان هي من سيحدد الصورة الذهنية لأي مدينة وليس البيئة المبنية وعزف كثيراً على وتر صفات أهل المدن والقرى. بسبب هذا النتاج العلمي المتعلق بالمدن تحول التخطيط العمراني من عملية تصميمية لعملية شاملة ترى المدينة من كل جوانبها وليس من جانب واحد فقط. وأبرز من كتب في هذا المجال بشكل علمي "جين جيكب" التي غيرت من منهج التخطيط العمراني المعاصر.فحسب مبدأ "جين" أي مدينة تعاني من "مشكلة" والمشاكل من ناحية علمية تنقسم إلى ثلاث أقسام:1- مشكلة بسيطة 2- مشكلة معقدة منتظمة 3- مشكلة معقدة غير منتظمة. وان المدينة هي مشكلة معقدة منتظمة وهذا يعني أن لحل هذه المشكلة تحتاج إلى "فهم" و "إدراك" اغلب المتغيرات التي في الساحة لأنها متغيرات تعمل وفق نظام معقد وفهمك لهذا النظام يعني نجاحك في التعامل مع مشاكل المدن. "جين" استطاعت باحتراف استخدام النظريات كمنطلق لفهم المدينة ونجحت بشكل كبير في ذلك عندما شرحت المدن بطريقة نظرية في الفصل الأخير من كتابها الشهير "موت وحياة المدن الأمريكية العظمى".

كخلاصة فان فهم المدينة من جميع النواحي هو أمر مهم للبدء في تخطيط عمراني سليم, ولعل هذا الأمر يتطلب تطبيق سريع لمبدأ الإدارة القائم على خطط "أسفل - أعلى" وهي خطط تبنى بمشاركة السكان ومن ثم يقوم المسئولون بتهذيبها لتصبح خطة رسمية كتبها الساكن الذي يدرك أمور مدينته أكثر من أي شخص أخر واعتمدها المسئول الذي سيربطها بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. هذا الفكر هو الفكر الجديد الذي تعمل تحت ظله المدن الغربية بشكل عام أما المدن العربية فهي تسير بعيداً عنه أو ربما ضده في بعض الأحيان!

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر