هل نشهد ظاهرة "ازدهار الأطراف" في مدننا؟

 

ما يدعني اتنبأ بهذا الأمر هو الحالة التي وصلت اليها المدن الكبرى من ازدحام وتلوث وارتفاع في الأسعار التي قد تمهد الطريق الى نشوء ظاهرة مدن الأطراف. التاريخ علمنا ان المدن البريطانية والأمريكية كانت تمر في حقبة الستينيات ما نمره اليوم في مدننا, حيث ان امور ادارة المدينة في تلك الحقبة كانت صعبت ولم تعد الادارات بمختلف اقسامها قادرة على كبح جماح التواجد البشري الهائل داخل المدن الحضرية والتي ادت الى تدهور في البيئة المبنية وفي المواصلات وهو ما نشاهده اليوم في مدن مثل الرياض وجدة. اليوم لم يعد من السهل انجاز مهمتين او ثلاث في نفس اليوم, لأن الازدحام المروري سيقف عائقاً. على نفس المنوال, حلم تملك بيت في المدن أصبح حلماً صعب تحقيقه وان تحقق سيكون بكلفة عالية وهذا أمر طبيعي في سوق قليل العرض كثير الطلب. ولا ننسى كذلك الفصل بين الاستخدامات في احياءنا السكنية التي جعل منها احياء مملة وفرغها من مبدأ "الحيوية" المهم والذي هو لب سر حياة المدن. ناهيك عن البنية التحتية التي لم تعد كافية لمتطلبات السكان العصرية بسبب الطلب الهائل عليها.

هذه العوامل ستؤدي في المحصلة الى ازدهار للأطراف فلو تتبعنا سوق الشقق المستأجرة فسنجد ان طبقة الشباب ذوي الدخل المحدود يتجهون الى اطراف المدن بسبب سعر الايجار المنخفض مقارنة بداخل المدن. على سبيل المثال لو شاهدت احياء اطراف جدة - حي السنابل والاجاويد بالجنوب او المحمدية بالشمال - ستجد ازدهارا لسوق "الايجار" هربا من الاسعار بداخل المدينة. هذا النمط الحالي من الازدهار الطرفي هو ما يسمى "التمدد العمراني السلبي" وهو تمدد خطير سيضر من جميع النواحي والغرب يعرف مدى ضرره وهم الان يعالجون اثاره.

رسوم الاراضي البيضاء الان تعد خطوة ممتازة لتسريب الاراضي البيضاء القريبة من المركز الى السوق واستغلالها تخطيطيا في محاولة لكبح جماح التمدد الطرفي. بدلا من ان يتجه الشباب الى الاطراف نحتاج خلال الفترة القادمة تشجيعهم للاتجاه نحو المركز. هذا التغيير في التوجه التنموي سيكون في صالح جميع الاطراف كالسكان والمطورين والمدينة ومشروع المترو القادم والحديث في ايجابيات ذلك يطول. ولكن هل هذا يعني ايقاف النمو الطرفي؟ بالطبع لا، فلا توجد مدينة عظيمة بدون ضواحي ولكن عندما تقرأ التجربة البريطانية والالمانية في الفترة من 1800م الى 1930م على وجه الخصوص ستجد ان الدرس المتعلق بالنمو الطرفي هو: لا تبني اطرافا او ضواحي مرتبطة بالمدينة الام بل اجعلها منفصلة "ذاتيا" حينها فقط التنمية الطرفية تتحول الى تنمية ايجابية.

توجيه المدن تنمويا للداخل امر يحتاج الى مبادرات سريعة والتباطؤ في هذا الامر سيكون على حساب مدننا. من يقرأ في نظريات التحضر سيدرك جيدا اننا في عصر اعادة التنظيم (Reordering ) فالتقدم التكنولوجي والزيادة السكانية المتسارعة سبقت تفكيرنا الحضري وحان الوقت لضبط النفس والتفكير في اتجاهنا الحالي واعادة التمركز ولعل العاصمة الرياض فعلت هذا باعلانها عن مشروع تطوير وسط المدينة تحت الهدف العام " اعادة السعوديين للمركز

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي