المرأة والعمارة

 

كانت العمارة ولا تزال مكونا شديد الحساسية والتأثر بما حولها مما جعل البيئتين المناخية والاجتماعية محددين رئيسين لها في اي بلد، ولا تستطيع (أي العمارة) بأي حال تجاوز هذين المؤثرين الذين يحددان مساراتها  ويفرضان عليها تقديم الحلول التي تلبي حاجتهما. وحين يحضر المجتمع تحضر المرأة، فهي المكون الأكثر تأثيرا في الوجدان المجتمعي، وذلك لاعتبارات مرتبطة بالدين والعرف لدى المجتمعات، وهو ما أنعكس بشكل مباشر على العمارة.

 لو نظرنا لعمارة المسكن وهو المكون الابسط بل الاول والاساسي في العمارة، لوجدنا أنه يمثل الغاية الاولى للعمران في بحث الانسان عن مأوى يقيه تقلبات الطقس ويحميه من الضواري. إلا أنه ومع ذلك، يمكن القول بأن هناك وظيفة جديدة اضيفت إلى هذه الغاية، آلا وهي (الستر) والتي فرضتها الاعتبارات الاجتماعية المتطورة والمتغيرة وفق مقتضيات الزمان والمكان. هذا التحول في وظيفة المسكن جعل من المرأة أن تصبح في صدارة المحددات الاساسية في تصميم المسكن، ولذلك نجد ان تصميم المسكن في العالم العربي خاصة، قد تأثر بوضع المرأة ليجعلها المؤثر الاول في التصميم، بل أن تأثيرها تجاوز تأثير العامل المناخي، والذي من المفترض أن يكون هو المحدد الأكثر أهمية لطبيعة البيئة القاسية، فأخضعه لمتطلبات التصميم المرتبطة بالمرأة،

لذلك ظهرت المعالجات الخاصة متوافقة مع ما سماه شاكر لعيبي في كتابة العمارة الذكورية (ضرر الكشف).

لن ندخل في جدال حول هل كانت العمارة بصورتها تلك عدوة ام صديقة للمرأة، ولن نناقش كون تلك الممارسات خاطئة ام مصيبة. فنحن لسنا بصدد ذلك، فما نقوم به هو توصيف واقع معماري حاصل، والذي يؤكد بأن المرأة كانت المحدد الرئيس لكل الحلول والمعالجات المعمارية، حيث كان الهدف الاساسي منها هو توفير الخصوصية لها. يظهر ذلك جلياً في ظهور مصطلحات للمعجم المعماري تمثل الخصوصية  والفصل مثل السلاملك والحرملك، حيث تجلت في هذه المصطلحات معاني الحجب والخصوصية. ليس ذلك فحسب، بل لو تتبعنا كافة المعالجات والعناصر المعمارية في المسكن العربي القديم من المدخل المنكسر والفناء الداخلي والنوافذ العالية وتوزيع الطوابق والسلالم وغيرها،  لوجدنا بأن الباعث الاساسي لها هو وضع المرأة ومراعات عدم كشف خصوصيتها.

في السنوات الاخيرة تغير الوضع كثيرا خصوصا مع  دخول التقنية الحديثة والمنتجات الصناعية والتي وفرت معالجات معمارية تقوم بنفس الوظيفة ولكن بصورة اكثر حداثة  وتحقق خاصية الحجب والعزل بصورة غير متكلفة، فبدانا نرى النوافذ الزجاجية المنخفضة والواسعة بدلا عن النوافذ الصغيرة والعالية والمشربيات، وظهرت شبابيك مطلة على الخارج بزجاج عاكس حاجب لما وراءها، وتم استبدال الافنية الداخلية بالصالات المغطاة والمكيفة،  واختفت تماما المداخل المنكسرة. ولكن هل كان ذلك مؤشرا على تراجع المرأة عن كونها محددا أساسيا ومؤثرا كبير للتصميم؟ لو

تتبعنا تصاميم المساكن الحديثة، لوجدنا بان فكرة الفصل والحجب لاتزال موجودة ومؤثرة على تصميم المسكن، وإن اختلفت المعالجات، بمعنى ان المبالغة في العزل والحجب خفت وتيرتها لكنها لم تختفي تماما فلا تزال هناك محظورات ولا يزال هناك فصل في المداخل ورفع للأسوار وتقسيم لداخل  للمسكن وفصل للفراغات الوظيفية الخاصة بالزوار عن فراغات المعيشة ومنع وجود اي مناطق مشتركة، قد تخترق (ضرر الكشف) وتجرح الخصوصية. وان كان حضور المرأة بشكل أكبر في الحياة الاجتماعية جعل من الاستحالة الحجب الكامل لها والتغييب البصري المطلق.     

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي