النمو الذكي: نحو نمو عمراني مدروس

 

تختلف الآراء والأحكام على (النمو العمراني) من حيث الإيجابية والسلبية كما أشرنا سابقاً، هذا الإختلاف يعودGrowth).العوامل والآثار الجانبية التي ظهرت نتيجة للنمو العمراني في المدن، إلا أن الإختلاف يكمن في رؤية مدى الضرر لهذه الآثار على المدينة والمجتمع والحالة الإقتصادية بشكل عام. ولذلك تبقى الجدلية في السؤال (هل النمو العمراني جيد أم سيء). هناك قراءات متعددة يمكن الإنطلاق منها. ولذلك ظهر في السنوات الماضية مفهوم تخطيطي يعالج مسألة النمو العمراني، أو ما يعرف بـ(النمو الذكي) (Smart Growth) .

في عام (1992م) ظهر مفهوم النمو الذكي كأحد المفاهيم التخطيطية التي تحاول أن تحد من ظاهرة النمو العمراني وضبطها ضمن إطارات واضحة تزيد من كفاءة النمو العمراني لمصلحة المدن والمجتمعات. المصطلح والذي انبثق من أجندة إجتماع قمة ريو لمؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية (UNCED) والذي تم عقده في البرازيل، بين العديد من المختصين في مجال البيئة والتنمية، حيث حاول المفهوم الجديد أن يعالج العديد من المحاور التي تواجهها المدن المعاصرة. وبالرغم من أن البعض يرى أن (المصطلح) يعود إلى إتجاهات تخطيطية سابقة كالمدينة المتضامة أو الإتجاه الحديث للتخطيط (New Urbanism) إلا أن مفهوم النمو الذكي يعد أكثر شمولاً من هذه الإتجاهات من حيث معالجته لظاهرة النمو العمراني بمقياس أكبر.

المفهوم:

يعالج مفهوم (النمو الذكي) ظاهرة النمو العمراني للمدينة والآثار الناتجة عنه كمهمة أساسية له، ولذلك فهو يعد من الإستراتيجيات طويلة المدى التي يتسع نطاقها إلى ما هو أكبر من حدود المدينة، كالإقليم أو المنطقة نفسها. حيث يهدف المفهوم إلى تحقيق التوازن بين المكان والمجتمع ضمن عدد من العوامل المؤثرة، كوسائل النقل، الإسكان، الصحة العامة والإقتصاد. كل ذلك ضمن إطار وتطوير مستدام يحقق العديد من التوجهات العامة والتي تساهم في إيجاد مكان أفضل للحياة والعمل والنمو. ولذلك يمكن القول بأن مفهوم (النمو الذكي) أكثر شمولاً من الإتجاهات التخطيطية الأخرى والتي تعد مباشرة بشكل كبير لتحسين مستوى الحياة في المدينة نفسها. ولذلك فأنه من الضروري أن نفرق بين مبادئ (النمو الذكي) وبين أنظمة أو تشريعات (النمو الذكي).

مبادئ النمو الذكي:

لا تختلف المبادئ في النمو الذكي عن معظم المبادئ العامة للإتجاهات التخطيطية الحديثة، والتي ركزت منذ سبعينيات القرن الماضي على تفعيل دور البيئة ضمن الإتجاه التخطيطي والعمراني للمدن،  ويمكن سردها على النحو التالي: 1- تنوع إستعمالات الأراضي 2-التصميم المتضام للمدن 3- زيادة خيارات وفرص السكن 4- توفير خيارات نقل أكثر 5-الثراء البصري للمدن 6-توفير المساحات المفتوحة والحدائق 7- التطوير ضمن القدرة المالية والدخل للسكان 8- مشاركة السكان في صنع القرار

تشريعات وأنظمة النمو الذكي:

تعتبر التشريعات وأنظمة النمو الذكي عامود الإرتكاز فيما يتعلق بتطبيق هذا المفهوم على أرض الواقع، فبدون تشريعات أو أنظمة يمكن تطبيقها بسلاسة فأنه لن يحقق المفهوم أهدافه المرجوه، غلا أن هذه التشريعات تختلف من منطقة لأخرى بحسب الوضع الراهن للمدن والمناطق المراد تطبيق مفهوم النمو الذكي بها، حيث تشكل المحددات البيئية، الإجتماعية والإقتصادية شكل وماهية هذه الأنظمة الخاصة بسياسات النمو الذكي، ويمكن القول أن أنظمة النمو الذكي تأتي ضمن ثلاث مستويات رئيسية.

المستوى الأول: التشريعات الوطنية:

تعتبر التشريعات والأنظمة الأساسية للحكومات، حيث يتم فيها تحديد الرؤية والأهداف العامة لتطبيق (النمو الذكي) وفق المحددات الإقتصادية، البيئية، الإجتماعية والإدارية، بما يتوافق مع أنظمة وتشريعات وهيكلة الدولة نفسها. وعادة ما يتم تطبيق هذه التشريعات من خلال القنوات التنظيمية والتشريعية للدولة نفسها كمجالس الشورى أو النواب وخلافه. حيث تحدد الأطر العامة لتطبيق المفهوم، كأن يتم تحديد مستوى خط الفقر ومعدلات التنمية المستهدفة والنمو السكاني والإقتصادي وما إلى ذلك.

المستوى الثاني: اللوائح التنفيذية

وهي عادة ما تكون عبارة عن الإجراءات التنفيذية التي تختص الجهات المعنية بتنفيذها ومتابعاتها على أرض الواقع ضمن اللوائح الخاصة بها، سواء كان عن طريق الجهات نفسها، أو عن طريق جهات أخرى تتبع لها. حيث تساهم هذه اللوائح في تحويل السياسات والتشريعات العامة إلى الواقع والتأكد من تطبيقها ضمن الإختصاص.

 

النمو الذكي بين القبول والرفض:

تختلف أراء المختصين حيال فعالية تطبيق النمو الذكي لحل المشكلات الناتجة عن النمو العمراني، فالبعض يرى أن التطبيق مفيد على المستوى البعيد، مع ضرورة تبنيه على المستوى الأول بشكل قوي وفعال. البعض الآخر يرى أن النمو الذكي هي عبارة عن فكرة عامة لا يمكن تحقيقها بشكل فعلي على أرض الواقع، كونها ترتبط بالعديد من الجهات والإختصصات التي قد تحول دون فعاليتها. بل إن البعض يرى أن النمو الذكي يحد من طبيعة النمو العمراني للمدن، ضمن إطارات قد تشكل خطر على عدد من الجوانب التنموية للمدينة نفسها. تغطية: من تعدد الآراء يبقى أسلوب النمو الذكي أحد أهم الأدوات المطروحة للسيطرة على آثار النمو العمراني للمدن، خصوصاً في تلك البيئات التي تعاني من قصور في البيئة العمرانية مثل دول العالم الثالث، والتي يمكن أن تؤدي مستقبلاً إلى عدد من المشكلات على مستويات مختلفة.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس من مجلة (LAYOUT) للسنة الأولى - 2016

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي