إشكاليات المدينة المعاصرة

 

يعد النمو العمراني من الظواهر العمرانية التي صاحب المدينة المعاصرة منذ نهاية القرن التاسع عشر، كنوع من الإستجابة العمرانية للتغيرات التي حدثت في مفهوم الإقتصاد والتحولات الإجتماعية. وبالرغم من إختلاف وجهات النظر حول إيجابية وسلبية النمو العمراني من حيث الآثار المترتبة عليه، إلا أنه يبقى واقعاً مفروضاً تواجهه المدن المعاصرة اليوم، في هذا العدد سنحاول التطرق إلى هذه الظاهرة العمرانية وآثارها والحلول التي ظهرت لمواجهة المشكلات الناتجة عن النمو العمراني سواء بيئياً، إقتصادياً أو إجتماعياً.

 

متى ظهر النمو العمراني؟

تشير معظم المصادر إلى أن بداية ظهور (النمو العمراني) كانت مع التحولات الإقتصادية للمدن في القرن التاسع عشر أو ( عصر الصناعة)، فبعد الإزدهار في مجال التصنيع وظهور المصانع والحاجة إلى الأيدي العاملة، بدأ العديد من سكان الريف الإتجاه للمدينة بحثاً عن دخل مادي أفضل. هذه الهجرة الداخلية أدت إلى إرتفاع الطلب على العديد من المنتجات العمرانية الأخرى كالسكن والمطاعم، بالإضافة إلى مشاريع النقل والمواصلات والبنية التحتية. وهو ما أدى إلى تطور هذه الجوانب الأخرى بشكل سريع وبدون التنسيق المناسب لتوظيف هذا التطور ضمن قوالب عمرانية وتخطيطية جيدة، وهنا تكمن إشكالية النمو العمران الأولى، وهي أنه يمكن أن يتشكل وفق عدد من الأنماط العمرانية التي تتحول مع مرور الوقت إلى مشكلات تخطيطية تعاني منها المدن. ومع ذلك فأن أول ظهور لمصطلح النمو العمراني (Urban Sprawl) كان في عام (1955م) بجريدة لندن تايمز كملاحظة سلبية على النمو العمراني لمدينة لندن خلال الأعوام السابقة.

 

الآثار المترتبة من النمو العمراني:

اختلف المختصين حول مدى الحكم على (النمو العمراني)، والسبب يعود لتعدد الآثار المترتبة من النمو العمراني على المدن والمجتمعات.  فالإجتماعي مثلاً يرى في ذلك تباعد للمجتمع أو المساهمة في وجود طبقات مختلفة ضمن النسيج الإجتماعي، بينما يرى الإقتصادي أنها فرصة جيدة لخلق فرص إقتصادية جيدة. فالمسألة لا يمكن الفصل فيها من منظور واحد. لذلك يمكن قياس الآثار المترتبة من النمو العمراني وفق عدد من المحددات العامة، هذه المحددات تتأثر بالظروف والحالة لكل مدينة كحالة خاصة، إلا أنها تساهم بشكل كبير في قراءة الإيجابيات والسلبيات للنمو العمراني. وبالتالي إتخاذ القرارات الإستراتيجية والتخطيطية الملائمة وفق عدد من المستويات.

المستويات البيئية:

تعتبر البيئة أكثر المحددات حساسية تجاه النمو العمراني، كون الإمتداد العمراني عادة ما يكون على حساب البيئة من حيث المساحات، سواء كانت تلك البيئة زراعية، جبلية أو حتى صحراوية. فالمفهوم هنا قائم على إحلال العمران مكان الطبيعة. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالنمو العمراني ولارتباطه بعدد من العوامل المحفزة مثل الاعتماد على وسائل المواصلات والنقل الحديثة في ربط أجزاء المدينة أو البنية التحتية، ينعكس سلباً على البيئة والصحة، كزيادة معدلات التلوث الهوائي، أو مشكلات الصرف الصحي بالإضافة إلى الإستهلاك العالي للمياه والطاقة بشكل عام.

المستويات الإجتماعية:

يخشى الإجتماعيون عدد من التحولات الإجتماعية بسبب النمو العمراني، على قائمة هذه المخاوف موضوع الفقر والطبقية الإجتماعية، حيث أن النمو العمراني يفرض عدد من التحولات العمرانية الداخلية، وظهور مناطق اقل كفاءة وجودة من المناطق الجديدة، وبالتالي ظهور مناطق جذب لسكان أقل دخل في ظل إرتفاع تكاليف المعيشة في المدن. بالإضافة إلى النمو العمراني قد يساهم في تباعد التواصل الإجتماعي نتيجة لأتساع المدن وفصل الحياء بالطرق والشوارع إلى مناطق تعتبر معزولة، وهو ما يؤدي إلى فشل الإطار الإجتماعي للمدينة.

المستويات الإقتصادية:

تختلف الرؤية ضمن المنظور الإقتصادي مابين مؤيد ومعارض لمفهوم النمو العمراني وآثاره على الإقتصاد المحلي للمدن . هذا الإختلاف يعود إلى (الفرص الإقتصادية) الممكنة نتيجة للنمو العمراني، فالتوسع يتطلب بناء الطرق والشوارع، الأحياء السكنية، المشاريع التجارية والبنية التحتية والفوقية. وهو ما يعني إدارة عجلة الإقتصاد المحلي للأعمال والمشاريع. ويرى البعض أن ضرورة تحديد حد أعلى للنمو الإقتصادي للمدن المحلية يعد ضرورة حتى لا ترتفع معدلات المعيشة فيها، الأمر الذي قد يؤدي إلى دخول طبقات سكانية معينة ضمن نطاق الفقر وبالتالي فشل الإطار الإقتصادي الناتج من النمو العمراني.

 

 

المستوى العمراني:

كذلك تختلف نظرة العمرانيين حول النمو العمراني وأثاره على المدينة، فمن زاوية تخطيطية قد يساهم النمو العمراني ف إيجاد أنماط تخطيطية غير مثالية، كقضية (العشوائيات) على سبيل المثال والتي تعد أحد أثار النمو العمراني في دول العالم الثالث. أيضاً قد تختفي هوية المدينة تدريجياً مع االعمراني ، خصوصاً المراكز التاريخية والتي يتم إهمالها نتيجة للنمو العمراني على أطراف المدينة والإنتقال إلى السكن في تلك المناطق. وهناك أيضا رؤية إيجابية في النمو العمراني، حيث يرى العديد من المختصين بأنها فرصة لإعادة ترتيب وتنظيم المدينة بشكل عام، أولاً من خلال إيجاد أماكن جديدة تناسب التطورات الحديثة في المجال العمراني، وتراعي العديد من المعايير والمتطلبات للبيئة العمرانية الحديثة، وهو ما يتيح فرصة إعادة ترميم المناطق الداخلية للمدن، بالإضافة إلى إمكانية تنوع هوية المدن من خلال الثراء البصري والضمني لها بإختلاف التصاميم التي تتناسب مع الإحتياجات المختلفة.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس من مجلة (LAYOUT) للسنة الأولى - 2016

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي