التراث العمراني ماذا بعد التوثيق

 

تقوم هيئة السياحة والآثار في مملكتنا الحبيبة بجهود جبارة للمحافظة على التراث العمراني في المملكة. أغلب جهود المحافظة على التراث تكون عن طريق شركات مقاولات متخصصة وتجارية مما يحرم المعماريين السعوديين اللذين لا يعملون في هذه الدائرة من المشاركة في صيانة هذا الإرث فكريا و عمليا. للأسف أهم المعلومات عن مقدراتنا المعمارية التاريخية غير متاحة حتى للمتخصصين فقل أن تجد رسومات دقيقة لمدائن صالح أو قصر شبرا مثلا معتمدة ومتاحة للجميع لنحللها ونتعلم منها وننشرها للعالم. البيت الحجازي مثلا لم يأخذ حقه من التحليل والتوثيق وكذلك البيت النجدي. وللأسف تصبح المنازل القديمة أنقاضا قبل ان تأخذ حقها حتى من التقاط الصور التذكارية.

خلال اعوام الكساد الاقتصادي العظيم في الولايات المتحدة الامريكية و التي بدأت بانهيار أسواقها المالية عام 1929م وأمتد تأثيره إلى العالم اجمع مسببا انهيارات اقتصادية وكساد وبطالة. وكان التأثير الاكبر يقع على المدن المعتمدة على الصناعات الثقيلة وبالتالي التأثير على قطاع البناء والإعمار. ولأن العمل في الفنون والعمارة من الأمور الثانوية التي تتأثر كثيرا في حالات الانهيار الاقتصادي الحاد وجد الكثير من الفنانين والمعماريين نفسهم بدون عمل او دخل. في تلك الفترة وجد كثير المعماريين الموهوبين والفنانين نفسهم نقادا للوضع الاقتصادي من خلال أعمالهم الفنية وإلقاء اللوم على الحكومة الامريكية بأنها هي المتسبب الرئيسي لهذه الكارثة. حتى المصورين وجدوا انفسهم في تصوير علامات ومؤثرات هذه الانهيار ومن اشهر المصورين هي فلورنس تامسون بصورتها الشهيرة "الأم المهاجرة" “Migrant Mother”.

في الولايات المتحدة تقع المواقع والمباني المصنفة كتاريخية من ضمن مسؤوليات الحكومة الفيدرالية عبر "إدارة المنتزهات الوطنية" “National Park Services”. كان المعماري الشهير تشارلز بيتيرسون يعمل في هذه الإدارة وتحديدا في "إدارة المسح العمراني التاريخي الأمريكي" "Historic American Buildings Survey" وتقدم بفكرة مشروع يستهدف المعماريين والرسامين العاطلين للاستفادة من طاقاتهم فيما يعود بالنفع على المجتمع الامريكي. كانت مبادرة تشارلز بيتيرسون تتضمن طرح مسابقة سنوية بجوائز مجزية لتوثيق كل ماله صلة بتاريخ العمارة الأمريكي والمنشآت التاريخية بدقة من خلال الرسومات الهندسية بقياسات حقيقية لمساقط وقطاعات وواجهات المنشآت بتفاصيل وتحليل مع ارفاق الصور والمقالات اللتي تسرد وتوضح الجوانب المعمارية والتاريخية والمصادر العلمية المستخدمة. بغض النظر عن البعد السياسي للمسابقة كان لها الأثر الكبير بالمحافظة على التراث العمراني في أمريكا وتوثيق الكثير من الإنشاءات بعد تفرعها إلى ثلاثة فروع: معمارية و مدنية وآخرها العمارة البيئية "Landscape" عام 2000م. فأهم ما يقدمه هذا المشروع هو حفظ مخرجات المشاركين في مكتبة الكونغرس وإتاحتها للعامة لتكون مرجع للحضارة العمرانية الأمريكية. وفي السنوات الأخيرة اهتمت مكتبة الكونغرس بنقل هذه المخرجات لتكون متاحة إلكترونيا للجميع عبر موقع المكتبة الإلكتروني. وخلال دراستي للعمارة في أمريكا قمت انا و خمسة من الطلاب بالمشاركة بهذه المسابقة من خلال توثيق لوحة إعلانية تاريخية لإحدى شركات صناعة الإطارات باعتبارها رمز من رموز مدينة آكرون و الحمدلله حصلنا على المركز الرابع.

كلية العمارة في جامعة القصيم استحدثت تخصص الحفاظ على التراث العمراني كمرحلة ماجستير وهذا التخصص جديد ونادر حتى على مستوى العالم وهذا ليس غريبا على كلية العمارة في القصيم فهم سباقين إلى كل ما يحفظ التراث المعماري من خلال الملتقيات والمؤتمرات الدورية. مركز التراث العمراني الوطني يعد لبرامج مشابهه للتوثيق وأتمنى ان تكون الشراكة بين المعماريين وطلاب كليات العمارة وهيئة السياحة والآثار شراكة فكرية مثمرة لتسهيل إيصال موروثنا للمتخصصين والعامة في المملكة والعالم باحتراف ودقة من خلال هذا المركز وملتقياته ليتشارك الجميع بإنجازاته.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي