وادي مكة: رؤية عالمية بصناعة محلية

 

تكمن أهمية هذا الصرح في عبارة (صنع في مكة). هذه العبارة التي تنقلك من فضاء الأحلام إلى أرض الواقع، في رحلة مليئة بالأمل والطموح والفخر ليس للسعوديين وحسب بل للعالم الإسلامي قاطبة. فالمسألة هنا ليست مشروع معرفي كغيره من المشاريع المعرفية التي شهدتها المنطقة، بقدر ما هي محاولة لوضع الأمور في نصابها. في هذا العدد تشرفنا بزيارة لوادي مكة للتعرف أكثر على القصة لهذا الصرح.

 

الإنطلاقه:

ما أن تدخل مقر وادي مكة الرئيسي حتى تقرأ مقولة لمستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، جاء في نصها (أمم تتسابق بالعلم وتتبارى، لم تنتظر ثروة طبيعية ولا مداخيل نفط ملية، وإنما عملت بالعقل، واستثمرت بالعلم والتقنية، وفازت بالجهد والإتقان والإنجاز). من هنا تبدأ قصة الإنطلاقة بوضوح، لعقول وسواعد من ابناء أم القرى إستطاعت أن تحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس على أرض الواقع، وكأنها تتحدى نفسها والزمن في سباق محموم نحو المستقبل. في هذا المبنى البسيط في فكرته والعميق في مضمونه، تتجلى حقيقة التكامل بين الجوهر والوعاء، تلك الحقيقة التي تجسد مفهوم العمارة، بعيداً عن جدليات الشكل التي أثقلت كواهلنا لسنوات طويلة. فالقضية باتت واضحت المعالم، حيث لا مكان للعاطفة أو الطوباوية.

 

الجوهر:

تقوم الفكرة الجوهرية لوادي مكة على تفعيل دور جامعة أم القرى بما يتوافق مع خطة التنمية العاشرة للمملكة العربية السعودية، والتي تنص على (تشجيع إنشاء الحدائق العلمية في الجامعات ومراكز الأبحاث، وتوجيه المزيد من الاهتمام لتشجيع التمويل المشترك وبرامج الأبحاث

المشتركة بين الصناعة ومؤسسات القطاع العام، وقيام الشركات الناشئة بهدف تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات تجارية وصناعية)، ولذلك يعلن وادي مكة عن مجموعة من الأهداف الرئيسية له والتي هي على النحو التالي:

1-نقل التقنية وتوطينها وتطويرها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحقق التنمية المستدامة.

2-توفير بيئة محفزة وجاذبة لمراكز الأبحاث والتطوير في الشركات المحلية والعالمية لتعزيز التعاون مع الجامعة وتطوير النشاط العلمي والابتكار 3-توفير فرص التدريب والتوظيف لطلاب وطالبات الجامعة بما يحقق المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل 4- تنمية الموارد الذاتية للجامعة بما يحقق استقرار ها المالي.

يشكل هذا الدور وتلك الأهداف جوهر وادي مكة من حيث المساهمة في تحقيق الرؤية الوطنية نحو توسيع وتنوع القاعدة الإقتصادية الوطنية، من خلال إيجاد إقتصاد قائم على المعرفة.

 

المنجزات:

بهذا الجوهر إستطاع الوادي في سنوات قليلة أن يحقق منجزات كبيرة، ففي كلمة وكيل جامعة أم القرى للأعمال والإبداع المعرفي ونائب رئيس مجلس شركة وادي مكة للتقنية سعادة الدكتور/ نبيل كوشك التي ألقاها في حفل تدشين وادي مكة برعاية مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي خالد الفيصل، سلط الضوء على بعض هذه المنجزات. فقبل سنوات قليلة لم تسجل جامعة أم القرى أي أرقام في براءة إختراعات او منتج إبتكاري، ولم تسجل أي شركة ناشئة مبنية على الإبتكار، واليوم تسجل الجامعة أكثر من (1000) طلب تسجيل براءة إختراع، و عدد (160) براءة إختراع تم تسجيلها، و(30) براءة إختراع صادرة و (15) منتج إبتكاري، بالإضافة إلى أكثر من (23) منتج تقني وأكثر من (15) شركة ناشئة يحتضنها مركز الشركات الناشئة في وادي مكة.

 

المحتوى الفراغي:

مثل هذا التوجه يحتاج إلى محتوى فراغي يتكامل معه من خلال نمو متزامن يستوعب التحولات تدريجياً. فليس الهدف هو إنشاء مباني تفتقر إلى المضمون والقيمة الحقيقة التي تحتويها. بل المسعى هو تحقيق موازنة مستدامة تعكس النمو المتدرج لواقع المنجزات والتحولات. من هذا المنطلق رسم وادي مكة رؤيته الشاملة للوادي كتصور نهائي للرؤية المكتملة، حاول القائمين على وادي مكة ربط الوعاء بتوفر الجوهر، في اسمى درجات التعريف الحقيقي لمفهوم العمارة. ولذلك يمكن قراءة وادي مكة عمرانياً من زاويتين، الأولى هي التصور النهائي والذي يجسده مشروع الوادي المكتمل، والثانية هي الإنطلاقة والمتمثلة في مقر الشركات الناشئة المقام حالياً. ومع ذلك يمكن القول أنه في كلا الزاويتين تتجسد فلسفة تصميمية واحدة تعكس العلاقة مابين الجوهر والتمثيل المرئي العمراني. هذه الفلسفة قائمة على نموذج المسار الإبتكاري

للوادي نفسه، إبتداءاً من إحتضان الأفكار مروراً بدعمها وتطويرها وإنتهاءاً بتجسيدها ضمن مرحلة الإنتاج كشركة قائمة. وهو ما أعتبره المدخل الرئيسي لقراءة الوادي من زاوية عمرانية.

 

 

الزاوية الأولى : الوادي

على مساحة (418) الف متر مربع، يقع الوادي في طرف الحرم الجامعي لأم القرى، الوادي والذي طرح لمسابقة معمارية بين ثلاث مكاتب عالمية، فاز بتصميمه مكتب (HOK) والذي إستطاع تجسيد المبدأ التصميمي ولكن بمقياس أكبر. الوادي ينقسم إلى عدد من المناطق الرئيسية التي تطمح إلى تشغيله الذاتي، فمن خلال المحور الأكاديمي لجامعة أم القرى تم ربط الوادي بالجامعة، إلا أن المصمم لم يقف عند هذا الحد، فالعديد من الأفكار تم تجسديها ضمن المخطط العام. لعل أهمها هو المحور الابتكاري الذي يجسد المبدأ التصميمي من الحاضنات مروراً بالشركات تحت التطوير وإنتهاءاً بالشركات القائمة. هذا المحور تضمن فكرة خلابة تمثلت في ما أطلق عليه (Cloud). تقوم فكرة الـ (Cloud) على تشجيع الروح الإبتكارية بالخروج من النمط التقليدي في التفكير إلى النمط الإبتكاري، حيث تساعد الفراغات على إعطاء المستخدم شعور بالإنطلاق الفكري، ففي هذه المنطقة يمكن لك أن تفكر خارج الصندوق، ولعل هذا السبب أخذ مقر (Cloud) شكل بيضاوي في محاولة لكسر النمط التفكيري. أما بقية المناطق فخصصت كمحركات إستثمارية تساهم على التشغيل الذاتي للوادي، سواء من خلال منطقة الأعمال أو المنطقة السكنية أو المنطقة الإستثمارية والتي خصصت كفندق إستثماري.

 

الزاوية الثانية : مقر الشركات الناشئة:

يأتي المقر في تكوين مستطيل الشكل من طابقين بفضاء واسع يقوم على فكرة المرونة والتوسع بحسب الحاجة. ولذلك تجد أن الفواصل الجبسية والزجاجية تلعب دور كبير في تقسيم الفراغ الداخلي. في الدور الأرضي قسم الفراغ الكبير إلى مجموعة من الفراغات التي خصصت للمرحلة الأولى (الإحتضان) والتي أحتلت المساحة الأكبر، بينما إضيفت لها الخدمات اللازمة سواء التقليدية أو الإبداعية مثل منطقة الترفيه. المدخل الرئيسي والذي كان بإرتفاع مزدوج شكل مع السلالم تكوين بصري رائع، أضاف جو تكاملي لحالة الإبداع المنشودة من خلال تجسيد بيئة عمل إبتكارية. وهو ما حاول المصمم إستكماله من خلال الانحناءات التي شكلت الواجهة الزجاجية لمكاتب المبتكرين. ومع ذلك لم يغفل المصمم من تحقيق مبدأ تصميمي ذا هوية إسلامية، فالمنطقة التي خصصت لفتيات الأعمال كانت معزولة بطريقة مرنة تساهم في توفير الإحتياج دون أن تكون هناك عوائق بصرية تشوه التصميم العام. في الدور العلوي يمتد المبدأ التصميمي، حيث مقر الشركات الناشئة ومكاتب الدعم بالإضافة إلى الخدمات وبنفس الروح التصميمية.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي