مدن المعرفة: نحو مستوى جديد من التمدن

 

هل تخيلت يوماً لو أنك تعيش في مدينة خالية من التلوث البيئي، وتسكن في منزل ذكي يتفاعل مع المناخ والطقس على مدار اليوم وفصول السنة ...ويعتمد على البيئة المحيطة في توفير الطاقة التي تحتاجها، أو أن تعمل في بيئة هادئة مطمئنة تسعى إلى مشاركة المعرفة والمعلومات. تخيل لو أنك تقود سيارتك التي تعمل بالطاقة الشمسية أو أنك تتناول طعامك العضوي تماماً و الخالي من التعديلات الجينية. قد يبدوا وكأنه مشهد لفيلم خيال علمي على كوكب بعيد عن الأرض. ولكن هذا الواقع الذي يسعى إليه اليوم العالم بأكمله من خلال الانتقال إلى مرحلة جديدة .. أو ما يعرف بـ(مدن المعرفة).

 

نظرة سريعة حول التغيرات في المدن:

مرت المدن خلال القرن العشرين بالعديد من التحولات التي أثرت عليها، فمفهوم المدن الحديثة والنمو المتسارع الذي كان آنذاك هو المسيطر على شكل وهيئة المدن، أوجد مدن غير متزنة وغير متكافئة. تعتبر المشكلات الحضارية والبيئية والاجتماعية التي تعيشها معظم المدن اليوم نتاج ممارسة القوة الاقتصادية لرسم معالم المدن خلال القرن العشرين، وأن كان الأمر لا يزال في معظم الدول حتى اليوم خصوصاُ دول العالم الثالث. ومع ظهور الاصوات التي تنادي بالعدالة الاجتماعية والاستدامة وحل مشكلة تغير المناخ العالمي، ظهرت العديد من الاتجاهات التي تبنت سياسات جديدة هدفها في المجمل إيجاد توازن بين المجتمع والبيئة والاقتصاد. وبالرغم من ظهور هذه الاتجاهات في آخر عقدين من القرن العشرين على النطاق العلمي، إلا أن بداية التطبيق لم تكن إلا بعد أن تدخلت حكومات الدول لفرض هذه الأنظمة ضمن تشريعاتها التنظيمية والبلدية. الأمر الذي دفع معظم الشركات إلى التوجه نحو ما يعرف بالطاقة النظيفة، في محاولة للإبقاء على البيئة العمرانية خالية من التلوث البيئية المضرة بصحة الإنسان. ومع استمرار تطور المعرفة في العقدين الأخرين ظهرت التنمية المعرفية كسياسة تعتمد على توظيف المعرفة في تحقيق أهداف الاستدامة. سواء من خلال وجود الاقتصاد المعرفي أو المجتمع المعرفي أو البيئة العمرانية المعرفية. وبالرغم من حداثة التوجه إلا أنه كان محط أنظار الحكومات التي وجدت في مراكز الأبحاث نقطة انطلاق لحل مشكلاتها الحضارية والبيئة والاجتماعية.

 

ما هي مدن المعرفة:

مفهوم مدن المعرفة أصبح مفهوم جذاب في السنوات الأخيرة لارتباطه بسياسات التطوير الحضري للأقاليم ونشاطاتها الاجتماعية والاقتصادية. حيث يلعب مفهوم مدن المعرفة دوراً أساسياُ في الابتكار المعرفية والنمو الاقتصادي بالإضافة إلى التطوير العمراني. ومع ذلك هناك عدد من التعاريف التي وضعها المهتمون بمدن المعرفة خلال السنوات الماضية، فمثلاً يصفها (أدفنسون) على "أن مدن المعرفة صممت من أجل تشجيع التطور المعرفي" بينما تعرفها (آدمون) على "أنها المدينة التي توجد قيمة من خلال تدفق المعرفة". ويعتبر تعريف المؤتمر الدولي لمدن المعرفة في دورة الثانية عام (2007) من أدق التعريف، حيث يرى أن "مدن المعرفة هي التي تعتمد على الاقتصاد المعرفي، والتي تتواصل مع مجتمعها من خلال تقنية المعلومات وتوفر المكتبات العامة والتعليم الجيد بالإضافة إلى المراكز الثقافية والاجتماعية من أجل إيجاد مجتمع معرفي“.

 

العناصر الأساسية لمدن المعرفة:

لكل مدينة معرفة عناصر مختلفة تميزها عن المدن المعرفية الأخرى، إلا أنه يمكن تحديد بعض العناصر المشتركة بين مدن المعرفة والتي تعتبر العناصر الأساسية التي تشكلها. هذه العناصر هي على النحو التالي:

 

أولاُ: مراكز المعرفة: وتتمثل في الجامعات ومعامل ومراكز البحث العامة أو الخاصة بالشركات التجارية أو غير التجارية، بالإضافة إلى المكتبات والمراكز التعليمية الفنية والتقنية. ويمكن القول بأن مراكز المعرفة هي نقطة الانطلاق الأساسية لمدن المعرفة، حيث منها يتم بدء توظيف المعرفة لحل المشكلات الحضارية الحالية وتقديم الحلول نحو إيجاد السياسات والمنتجات التي تساهم في تحقيق الرؤية للتنمية المعرفية سواء للحكومات أو للقطاع الخاص المستثمر في المدينة.

 

ثانياً: الهيكل الصناعي: وتتمثل في المصانع ومراكز الإنتاج للصناعات التي تشكل محور الاقتصاد للمدينة. إلا أن معظم المختصين يفضلون أن يكون الهيكل الصناعي ذا حجم صغير أو متوسط، بالإضافة إلى كونه متخصص في مجال أو مجالين على أكثير تقدير. والسبب في ذلك هو أن مفهوم (الهيكل الصناعي) يمثل العصب الاقتصادي لتحويل المعرفة إلى منتج نهائي يمكن تدويره ضمن المنظومة الاقتصادية.

 

ثالثا: الوصولية: تشكل الوصولية عنصر مهم في مدن المعرفة كونها قنوات الاتصال بين العناصر الأخرى. تعتبر المطارات الدولية ومحطات القطار السريع ونظام المرور وحقوق المشاة وسلامتهم عناصر وصولية. تقوم فكرة الوصولية في مدن المعرفة على تحقيق الكفاءة العالية في الانتقال من مكان إلى أخر دون وجود عوائق، وبالرغم من معظم الدراسات تشير إلى أن عنصر الوصولية يتمثل في إطار فيزيائي واقعي، إلا أن بعض المهتمين والباحثين يضم البنية التحتية للاتصالات على أنها نوع من أنواع الوصولية.

 

رابعاً: جودة الحياة: تتمثل في نوعية الخدمات الاجتماعية المقدمة في المدينة، والجودة البيئية والمناخ وتوفر السكن وانخفاض معدل الجريمة وارتفاع مستوى الأمان، بالإضافة إلى جودة مستوى التعليم الدراسي والقطاع الصحي والثقافي، وأيضاً جودة المواصلات والخدمات الحضارية الأخرى. ويرى معظم الباحثين أن جودة الحياة تشكل عنصر جذب في منظومة مدن المعرفة، فلكي يتم استقطاب العقول المعرفية لتحريك (مراكز المعرفة) وبالتالي تدوير عجلة (الهيكل الصناعي) فأنه من الضروري تأمين بيئة ذات جودة حياتية عالية كنقطة جذب واستقطاب لأصحاب العقول المعرفية.

 

خامساً: التنوع الحضاري: يضم التنوع الحضاري جانبين، الجانب الأول فيزيائي يعتني بالجانب المعماري والعمراني للمدينة نفسها سواء من حيث الهوية للمعالم الحضارية أو من حيث تعدد الأيقونات المعمارية، أم الجانب الثاني فهو معنوي، بمعنى قبول المجتمع والنظام في مدن المعرفة للتنوع العرقي بدون وجود عوائق أو تفريق بين هذا أو ذاك. وهذا يتطلب دمج للأعراق المختلفة ضمن البيئة المعرفية مع عدم التأكيد على عرق دون الأخر سواء كانوا أكثرية أم أقلية.

 

سادساً: العدالة الاجتماعية: يقصد بالعدالة الاجتماعية في مدن المعرفة، بأن يكون هناك توزيع عادل للخدمات والبنية التحتية والفوقية لكامل المدينة بدون تفضيل منطقة على أخرى، يعني ذلك وجود سياسات بلدية تحد من ممارسات الاستثمار العقاري بحسب رغبة المستثمرين، وأن يتم توجيهه ضمن الإطار العام لسياسات المدينة الحضارية والتنظيمية وفي مصلحتها. ولذلك تعالج مدن المعرفة قضية الأحياء الفقيرة أو المعزولة ضمن نطاقها العمراني والمنطقة المحيطة، فجميع الأحياء لها حصة من الاستثمار والتنظيم والتأهيل بشكل متساوي وبغض النظر عن موقعها من مركز المدينة.

 

ما دور المخططين والمعماريين في مدن المعرفة:

يلعب المخططين العمرانيون والمعماريين دوراً هاماً في تجسيد البعد الفيزيائي لمدن المعرفة من خلال مسارين.

المسار الأول: التخطيط والتصميم والحضري: والذي يتم فيه معالجة البيئة العمرانية للتوافق وفق تطلعات سياسات مدن المعرفة بشكل يحفز تفعيل العناصر المطلوبة لتأسيس مدن المعرفة، سواء من حيث تحسين الوصولية أو رفع مستوى جودة الحياة أو تحقيق التنوع الحضاري أو عمل موازنة في العدالة الاجتماعية للمدينة. ولعل الاتجاه التخطيطي الحديث والذي يعرف بـ(التخطيط العمراني القائم على المعرفة) أو (Knowledge based urban development) يشكل أحد أحدث التوجهات التخطيطية في ترسيخ مفهوم وفكرة مدن المعرفة ضمن إطار الاستدامة والتوافق البيئي.

المسار الثاني: التصميم المعماري: فهو يقوم على تصميم وبناء أيقونات معمارية جذابة تساهم في إثراء المعالم المعمارية للمدينة وتحفز التنوع الحضري في المشهد المعماري لها. بالإضافة إلى تبني سياسات بيئية في استخدام المواد والطاقة النظيفة لتنفيذ وتشغيل هذه المباني.

في الصفحات المقبلة سنستعرض مدينتين تعد من أهم مدن المعرفة على المستوى العالمي، لكي نتعرف أكثر على خصائص وتطبيقات مدن المعرفة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي