تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

صناعة المدن والتنمية المعرفية

 

لطالما تأثرت المدن باتجاه التنمية الاقتصادية الخاصة بها، فالمدن الزراعية, الصناعية والمدن الحديثة كلها عكست محور التنمية ضمن بعدها العمراني والاجتماعي والبيئي. سواء من حيث التخطيط العمراني أو نوعية الحياة الاجتماعية أو حتى حجم الضرر البيئي الناتج عن هذا التوجه الاقتصادي للمدينة نفسها. ولذلك كان دائما ما تطرح تساؤلات حول تحسين وتطوير المدن والحياة فيها.

في السنوات الأخيرة ظهر التوجه نحو المدن المستدامة كنوع من التوازن في تنمية المدن بين الإطار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، هذا التوجه كان مدفوعاً بعدد من المشكلات البيئية والاجتماعية التي ظهرت في المدن الحديثة نتيجة لتجاهل الجانب الاجتماعي والبيئي للمدن لسنوات طويلة مثل قضايا تغير المناخ والاحتباس الحراري والفقر والعدالة الاجتماعية، وتنمية أجزاء من العالم على حساب أجزاء أخرى دون الاهتمام بالأضرار الناتجة على هذه الأجزاء. كل ذلك كان بسبب التركيز على الجانب الاقتصادي خلال العقود الماضية التي تطورت فيها المدن في مختلف أنحاء العالم. إلا أنه ومع التطور المذهل في الجانب (المعرفي) أصبح من الضروري جداً أن يتم إدخال هذا الجانب إلى منظومة التوازن لتصبح المدينة قائمة على أربع اتجاهات أساسية هي الجانب الاقتصادي والبيئي والاجتماعي والمعرفي، ومن هنا ظهر ما يعرف بمدن المعرفة (Knowledge City).

مفهوم مدن المعرفة:

تقوم فكرة مدن المعرفة على تحقيق التوازن المستدام لتنمية المدن من خلال استخدام المعرفة كأساس للانطلاق نحو إيجاد اقتصاد، مجتمع وبيئة مستدامة. سواء من حيث إيجاد منتجات اقتصادية نظيفة وغير ضارة بالبيئة أو من خلال رفع مستوى جودة الحياة في المدن أو من خلال الاستخدام المستدام للموارد البيئية ومعالجة المشكلات البيئة مثل الاحتباس الحراري وزيادة نسبة الكربون في الغلاف الجوي.... الخ. وبالرغم من حداثة هذا الاتجاه إلى أن التوجه نحو مدن المعرفة قد اخذ خطوات سريعة خلال السنوات الماضية، فالعديد من المدن حول العالم اتجهت فعلياً نحو سياسة التطوير المعرفي كسياسة تنمية. بل أن بعضها قد حقق ذلك فعلياً على أرض الواقع مثل مدينة ملبورن في أستراليا أو برشلونة في إسبانيا أو بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية..

بين الصناعة والتحول لمدن المعرفة:

أنشغل المهتمين بمدن المعرفة خلال السنوات الماضية في قضية تعد من أهم قضايا هذا التوجه، والتي تقوم على السؤال الأهم في السياسة المعتمدة على المعرفة، فهل يتم التحول إلى مدن المعرفة؟ بمعنى هل يمكن أن تتحول المدن القائمة حالياً إلى أن تكون مدن معرفة؟ أم يتم إنشاء مدن معرفية جديدة. هذه القضية غيرت الكثير من ملامح التطوير العمراني المتعارف منذ سنوات والقائم على وجود علاقة بناء بين المدينة والمجتمع خلال الزمن. فمع الإمكانيات المتاحة في البناء والتشييد التي يمتلكها العالم اليوم أصبح من السهل جداً إنشاء مدن متكاملة وتشغيلها بشكل فعال خلال سنوات قليلة جداً. لذا يمكن القول بأن هناك اتجاهين نحو التنمية القائمة على المعرفة، الأول من خلال التحول لمدن المعرفة والثاني من خلال إنشاء أو تأسيس مدن معرفة جديدة. ويبقى المعيار الأساسي لتبني هاذين الاتجاهين هو الإمكانيات المتاحة في المدينة نفسها سواء من حيث البينة التحتية والفوقية ومستوى وجودة التعليم ومرونة النظام والسياسة الداخلية فيما يتعلق بتنظيم العمل والاستثمار.  وهو ما يتطلب وجود رؤية وهوية واضحة للمدينة نفسها يمكن الانطلاق منها.

التجربة العربية في مدن المعرفة

شهد العالم العربي بعض المحاولات للاتجاه نحو التنمية المعرفية أو مدن المعرفة. تصدرت هذه المحاولات دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر منذ بداية الألفية الجديدة. دفع ذلك رغبة هذه الدول في تنويع القاعدة الاقتصادية لها وتقليل الاعتماد على البترول كداعم اقتصادي وحيد، خصوصاً في ظل الاتجاه العالمي نحو التقليل من الصناعات المعتمدة على البترول بهدف تحقيق حياة أكثر استدامة. إلا أنه ومع هذه المبادرات يمكننا اليوم تقييمها بشكل منطقي من حيث تحقيق الأهداف المرجوة من تبني هذا الاتجاه أو السياسية التنموية، فلو استثنينا مدينة مصدر في دولة الإمارات العربية المتحدة لوجدنا أن معظم هذه المبادرات لم تحقق النجاح المطلوب، والسبب في رأيي يعود لعدم ملائمة نموذج هذه المدن المعرفية للواقع الفعلي لهذه الدول والإمكانيات المتاحة بها وهو ما يعتبر خطأ استراتيجي في مفهوم التنمية. أضف إلى ذلك أن التحول أو التأسيس لمدن المعرفة يتطلب تغييرات لوجستية تصل إلى نظام وسياسة البلد نفسها كتسهيل عملية الوصولية والاستثمار في الكادر المحلي ودعم الصناعات المحلية وتأهيل البنية التحتية والفوقية، وهو ما يتطلب مجهود كبير قبل البدء في عملية التحول أو التأسيس لمدن المعرفة.

 

مدن المعرفة العربية ..مطلب أم ترف

قد يكون التساؤل المطروح اليوم هو: هل فعلاً نحتاج في بيئتنا العربية لمثل هذا التحول في التنمية المعرفية أم أنه مجرد ترف حضاري نحاول من خلاله أن نواكب الصورة الحضارية للمجتمعات المتقدمة. في الحقيقة أن سياسة تنمية المعرفة للدول العربية تعد منحنى جديد قد يغير من هوية المدينة العربية بشكل كبير جداً ليس على المستوى الحضاري وحسب بل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فالمشكلات التي تعانيها المدينة العربية تشكل خطر على التنمية في العالم العربي، فمع ازدياد التلوث البيئي وزيادة نسبة السكان وتدني مستوى التعليم والبنية التحتية والفوقية بالإضافة إلى الاعتماد الكلي على الحكومات في دفع عجلة التنمية وعزل القطاع الخاص عن المشاركة والفعالية الاجتماعية كرافد اقتصادي مهم في عجلة التنمية، كلها مشكلات تشير إلى ضرورة التحول نحو سياسة تنمية المعرفة للمدينة العربية بشكل سريع وفعال. إلا أن هذه التحول يتطلب دراسة فعلية وجادة نحو تحقيق تنمية معرفية للمدينة العربية ليس وفق النموذج الغربي وإنما وفق نموذج نابع من واقع البيئة المحلية للمدينة العربية وإمكانيتها. الأمر الذي يستوجب إدراج المشكلات الحالية للمدينة العربية ضمن خطة التنمية وتوظيف الإمكانيات الاقتصادية الحالية نحو حل هذه المشكلات وتطويرها ضمن الإطار المعرفي سواء على المستوي الحضاري أم الاجتماعي أو البيئي.

أن العالم العربي قاب قوسين أو أدنى من أن يواجه حدوث شبه توقف لعجلة التنمية به إذا ما تحول العالم كلياً نحو البدائل للطاقة النظيفة، ولعل أول الخطوات لمنع هذا التوقف من الحدوث هو بداية الاستثمار في المعرفة التي يمكن أن تنتج هذه الطاقة ضمن إمكانيات المتاحة مثل الطاقة الشمسية على سبيل المثال، والتي تعد الإمكانية الأولى التي تتمتع بها الدول العربية. ما عدا ذلك فنحن على وشك تحول كبير في إطار التنمية قد يفقدنا الكثير من الميزات الحضارية التي نعيشها اليوم في بلداننا العربية.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر